عن ابن تيميّة أَتحدّث..

مرسلة بواسطة احمد المصري | التسميات: | في السبت، 26 يونيو 2010 الساعة 2:56 م


«هذا القلقُ المطّرد في الوضع السياسيّ الذي اختصر حكم السلاطين ولم يسمح لهم إلا نادراً بأن يموتوا حتف أنفهم؛ استتبع حالةً من القلقِ وعدمِ الاطمئنان تهدّدت رجال البلاط والحكومة جميعاً في أرواحهم وممتلكاتهم، مما لم تُستَهدف لمثله طبقةٌ حاكمةٌ من قبل إلا في أسوأ أيام الدولة الرّومانية.

فقد عجز الموظّفون ـ حتى أقدرهم ـ عن الاحتفاظ بمناصبهم أكثر من ثلاث سنواتٍ إلا في القليل النادر، وكم من قاضٍ أُسند إليه القضاء ثم عزل عنه عشر مرّات متواليات أو يزيد، ليس هذا فقط؛ بل لقد كان ثمة نفوذ فقهاء السنّة ورادعهم المعنوي، أولئك الفقهاء الذين لم يتورّعوا عن اضطهاد رجلٍ صالحٍ مؤمنٍ بالله أَصدق الإيمان وأَشدّه كابن تيمية الحنبليّ، لإحجامِه عن مجاراتهم في جميع ما ذهبوا إليه من رأي، ولمقاومتِه كثيراً من مظاهر التديّن لدى العامّة كعبادة الرّسل والأولياء.. ولئن كان معاصروه قد حاولوا قمعَ تعاليمه بالقوّة؛ فقد كُتب لها برغم ذلك أن تبقى حيّةً في دوائر أتباعه المحدودة، لتستمدَّ منها الحركةُ الوهابيّةُ حافزَها بعد أربعمئةٍ من السنين، ولتفيدَ منها حركةُ التجدّد الإسلامية في الجيل الحاضر». كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ص 369.



إنه ليمرُّ بي اسمُ العالِم والعالِم فلا أكاد آبَه.. ثم يمرُّ ذكرُ ابنِ تيميّة فيأخذني شيءٌ لا أتبيّن مأتاه، رحم الله أبا العبّاس، فالكتابةُ عنه ضَرْبٌ شديدٌ من الوَعْي والمسؤولية؛ لأنه يحتاج إلى مقياسٍ خاص..

هنا إحدى عشرة فقرةً هي حصيلة تأمّلٍ في شخصيّةِ هذا الإمام وتراثِه الضّخم، حاولتُ أن آتيَ فيها بجديد.. ونحن ما أحوجَنا بين الفينة والأخرى إلى أن نقلّب النظر كثيراً في منازع هذه العبقرية الفذّة، وإلى أن نُعمل الفكر طويلاً في اجتلاء هذا الإرث الذي امتنَّ الله به على عباده في هذه الأعصُر المتأخِّرة..

* * *

1ـ كثيرٌ من تراثِ شيخ الإسلام ابن تيميّة لا يُبتدأ به؛ وإنما يُنتهى إليه... فالعلوم يأخذ بعضُها بـحُجَز بعض، فهي كدرجات السلّم كلّ واحدة تُسلم إلى أختها، ولعلّ مما أضرّ ببعض طلبة العلم؛ أن أحدهم يعلَق بسمعه أوَّلَ ما يسلك طريقَ العلم اسمُ هذا العَلَم الكبير، وما لتراثِه من الأهمية البالغة، فيغوص في عمقه وهو لـمّا يتعلم السباحة على شاطئه بعد، فيؤذيه ذلك كثيراً..

2ـ ليستْ هناك شخصيةٌ حيّةٌ حاضرةٌ في بناءِ عقل ابن تيمية ولا في تشكّل وجدانه، فلا تراه يقول: وكان شيخنا، ودخلت مرّة على فلان.. مما تراه فيما يذكره عنه ابن القيّم مثلاً، أو فيما يذكره كثيرٌ من الأعلام عن مشيختهم والآخذين عنهم.. لا أدري؛ لعلَّ الله سبحانه لما أن أعدّ هذا الإمام لما هو بسبيله من هذا التجديد؛ وعصرُه على ما هو عليه من السوء؛ هيّأَ له ألّا يتطامن عقلُه ولا وجدانُه لسلطان أحد من مشيخته المعاصرين، فجاء منه هذا العقلُ الحرُّ النـزّاع إلى الحق، الرافضُ للتقليد الأعمى، وهذا الوجدان الصافي الذي اغتسل بماء الوحي النقيّ، فلم تكدّره تلك الأوضار التي كانت عالقةً بكثير من أنفس أهل عصره.

تمنّيتُ لو أن سيد قطب وعبد الوهاب المسيري ـ رحمهما الله ـ قد عرفا تراثَ ابن تيمية وأفادا منه، لا أكاد أجد له ذكراً ولا أثراً فيما كتباه.. لو كانا توافرا على تراثه؛ لرأيتَ نقلة رائعة في كتابات هذين الكبيرين، ولقرأتَ إضافة ثرية في فهم بعض نصوصه، وقراءةِ جوانب من شخصيّته.


4ـ رأيتُ ابنَ تيميّة في مداخل ردوده على أهل الفرق المخالفة، وأربابِ الأهواء المُضلّة؛ يبالغ كثيراً في عرض معارفه، وما يحسنُه من علوم هؤلاء.. أظنُّ أنه ـ رحمه الله ـ كان يمارس نوعاً من الإذلال المعرفيِّ لخصوم الوحي، كأنّه يقول لهم: هذا الذي تتحدّثون عنه وتأخذون في شأنه؛ لم نطّرحه جهلاً به، فنحن أعرف به منكم، لكنّنا آثرنا الوحي عليه.

5ـ ركّزتْ السلفيّةُ المعاصرةُ على درس جوانب من شخصية ابنِ تيمية وتراثهِ، وأهملتْ جوانب أخرى ـ كالجانب الفكريّ والسياسيّ والسلوك الاجتماعيّ ـ لا تَقِلّ أهميّة.. ولأن كثيراً من خصوم ابن تيمية إنما عرفه عن طريق الصورة التي رسمتْها السلفية المعاصرة له؛ فإنّ ذلك ضيّق زاوية النظر لدى هؤلاء المثقّفين والمفكرين من الخصوم، فلم يتبيّنوا هذا الاتساع الهائل الذي تمتلكه هذه الشخصية الكبيرة في ذاتها وتراثها.

6ـ لابن تيميّة سلطانٌ بالغُ الأثر على عقل قارئه، لما له من هذا الأسلوبِ السيّال، والتدفّقِ المعرفيّ المُبهر، والحجّةِ العقلية النافذة، والحماسِ المتّقد لما يؤمن به.. لذا فإن قارئه يفقد مع الأيام محاكمةَ نصِّه، ويُستلب له.. على طالب العلم أن يحاذر وهو يتخرّج بتراث هذا الإمام؛ عليه أن يحاذر من أن يفقد شخصيّتَه واستقلالَه، فيفقد ما به أصبح ابنُ تيميّة ابنَ تيميّة.

7ـ كان ابن تيميّة ـ رحمه الله ـ من كبار مثقّفي عصره.. كثيرٌ من هذا الذي تقرأه في تراثه إنما هو ثقافةُ عصره الدائرة، ومعارفُه الحاضرة، ولهذا ـ وهو من المفارقات ـ ترى أن كثيراً من طلبة العلم ممن لهم بَصَرٌ وعنايةٌ بتراث شيخ الإسلام ابن تيميّة؛ يعرفون من الواقع الثقافيّ والفكريّ لعصر ابن تيميّة أكثر مما يعرفون من واقعهم الثقافيّ والفكريّ!


8 ـ أحسب أن كلّ هذا الاصطراع والاحتراب الكائن في زماننا اليوم؛ إنما يعود عند تأمّله إلى تراث وجهود خمس شخصيات مؤثرة رئيسة:

1ـ ابن تيميّة.

2ـ مارتن لوثر.

3ـ كارل ماركس.

4ـ ثيودور هرتزل.

5ـ الخميني. (تنبّهتُ إلى أن بين هرتزل والخميني شبهاً غريباً، هناك مشروعٌ أثمر عن دولة، ذاك بِنبذ فكرة المُخَلِّص، وهذا بِولاية الفقيه.. هل كان الخميني يترسّم مشروع هرتزل؟ وهل ما قيل عن مشابهةٍ بين الرافضة واليهود؛ يحقّقه هذا الاقتداء؟).
بَسْطُ هذا الموضوع كلّه له من الخَطر ما يحتاج معه إلى إفراده في مقالةٍ مستقلّة، عسى الله أن ييسّر ذلك.

9ـ من أعظم المقاييس عندي للعمل الخالد: هو أنّه العمل الذي لا تستطيع أن تتجاوزه مهما تركتَهُ وعدتَ إليه.. ثمّة تراثٌ يكون له أثرٌ في نفس قارئه في مرحلةٍ من مراحل عمره، لكنّه حين يعود إليه بعد أن يقطع شوطاً من العلم يشعر بأنه قد تجاوزه (هذا المنفلوطيُّ يحبّه المتأدّب ويكرهه الأديب كما قيل) لكنْ هناك أعمالٌ لا تستطيع أن تتجاوزها مهما اكتسبتَ من المعرفة وعدتَ إليها، وعندنا في التراث أمثلةٌ لهذا:المغني لابن قدامة، مقدمة ابن خَلدون، فتح الباري.. أظنّ أن تراثَ ابنِ تيميّة كلّه ـ وليس عنواناً أو عنوانين ـ يصدق عليه هذا المعنى كما لا يصدق على تراث عالمٍ من علماء الإسلام، لا تستطيع أن تتجاوز تراثَ هذا العالِم مهما اكتسبتَ من المعرفة وعدتَ إليه.

10ـ لا يمكن أن يُفهم نصُّ ابن تيميّة بمعزلٍ عن روح عصره، وما احتفَّ به من أحداث، لابدّ من قراءة الخلفية التاريخية لهذا النصّ، والسياقِ المعرفيِّ الذي تكوّن فيه، لن يَفهمَ هذا التراث الهائل من لا يملك قراءةً جيدةً عن عصر المماليك، وما كان في
تلك المرحلة من اشتجارٍ ثقافيٍّ واجتماعيٍّ وسياسيٍّ كان له أثرٌ كبيرٌ في تشكّل النصّ التيميّ..

11ـ في مقدّمات كتب شيخ الإسلام ابن تيميّة المحقّقة، وفي كثير مما كُتب عنه؛ أجدُ أن الأقلام تعيد كلماتٍ بأعيانها قد قيلت فيه، حتى إني سئمتُها لكثرة ما قرأتُها عشرات المرات بل مئاتها: «لم أر مثله ولم ير مثل نفسه»..

هناك بعضُ الكلمات الرائعة عن هذا الإمام لا تكاد تذكر: لِلْواني والمقريزي وشاه ولي الله الدّهلوي وغولدتسيهر ومحمد كرد علي ونقولا زيادة.. ولعل ما صدّرتُ به من كلمة بروكلمان من هذا القبيل، فهي لا تكاد تذكر مع أنها ذاتُ شأنٍ من مثل هذا المستشرق، ليت أننا نتجاوز هذا الاجترارَ ونتوسّع في قراءاتنا، حتى نقف على مظانَّ عاليةٍ غير مكرورة فيما نكتبه.

«إنّي منذ عهد غير قريب وجدتُ من وقتي فراغاً يتّسع لدراسةٍ دقيقةٍ لكتابَي شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبد الحليم الحرّاني الدّمشقي الحنبليّ المعروف بابن تيميّة، المتوفى في عام (728) من الهجرة، وهما كتاب منهاج السنّة المحمّدية في نقض كلام الشيعة والقدرية، وكتابموافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، فأخذتُ نفسي بأن أقرأ كلّ يوم عدة أوراق من أحد الكتابين، وأن أقفَ عند نهاية كلِّ مبحث وَقفة فاحصٍ متدبرِّ يحبُّ أن يفيد مما يقرأ، وكنتُ أجد في كلّ يوم من غزارةِ علم الشيخ، وسعةِ اطلاعه على ما أَلَّفَ الناس وما قالوه، وما نُسب إليهم، ومديدِ باعه في الحوار والجدل، ورجاحةِ عقله التي تنخُل الآراء والأقاويل، وتبهرج زائفها، وقوّةِ عارضته في إقامة الحجة؛ ما لا يُقضى منه العَجَب..». العلّامة محمد محيي الدّين عبد الحميد

رحِم الله شيخَ الإسلام ابنَ تيميّة ورضيَ عنه، ولقد أراه بلغ في آخر أيّامه في سجن القلعة من الولاية؛ ما لم ينل منه بعضُ الأكابر إلا الفُتات ( في مقعد صدق عند مليك مقتدر )
عبدالله بن عبدالعزيز الهدلق

مجلة الإسلام اليوم " رجب " 1431هـ

اقرأ المزيد

إلى كل ضعيف الإرادة مع التحية

مرسلة بواسطة احمد المصري | التسميات: | في الأحد، 20 يونيو 2010 الساعة 10:43 م

هنا في أمريكا إذا أراد إنسان ما أن يشتريَ شيئًا جديدًا لمنزله، باع القديم عن طريق مزاد يُقيمه في (كراج) بيته، فيجتمع الناس، ويقيم مزادًا على هاتفه القديم وتلفازه وكراسيه، فأذهب إلى هذه المزادات، وربَّما لا يكون فيها أحدٌ سواي، فأشتريها بثمن زهيد، ثُمَّ أصلحها إنْ كانت تحتاج إلى ذلك، وأنظفها إن كانت تحتاج إلى تنظيف، ويأتي الطلاب ويكون عندهم ما ينقصهم مِمَّا هو عندي، وأكتب إعلانات في الكلية: من يريد هاتفًا أو تلفازًا بقيمة كذا وبحالة جيدة، فعليه أن يتَّصل برقم كذا، وييسر الله من ذلك الرِّزق الكثير، والشيء نفسه أفعله عند نهاية العام بالسَّيارات، فعادةُ النَّاس تبيعُ سياراتِهم عند السَّفر، وهم يبيعونها كيفما اتفق لرغبتهم في السفر، وأقضي الإجازة في إصلاح ما اشتريت من سيَّارات، وفي بداية العام الدِّراسي ترتفع قيمة السيارات؛ بسبب إقبالِ الطُّلاب عليها وأبيعها، وييسر الله من ذلك رزقًا، وأنا أتقن الكثير من الأعمال العادية، فأضع هاتفي لمن يرغب في إصلاح شيء ما في منْزله، فيدعوني أحدُهم لتركيب ستارة لمنزله، وآخر لقصِّ نجيل حديقته، وييسر الله من ذلك رزقًا، ومُؤخرًا أصبحت أشتري بعضَ الأسهم وأبيعها، وقد اكتسبت من ذلك خبرة لا بأس بها في الأسهم؛ كما أن الجامعة توفر أحيانًا تشغيلاً للطُّلاب في بحث أو غير ذلك، وأتقاضى من ذلك من رزق الله ما يعينني، وقد اكتشفت بعد ذلك أنَّ كثيرين في أمريكا ممن لا رزْقَ لهم من الطُّلاب يكتسبون رزقهم بطُرُق مُتشابهة، لكن منهم من يتحرَّى الحلال، ومنهم من يستوي عنده الأمران.

وحين كنت في زيارة لسويسرا في الأسبوع الماضي، وجدت طالبًا صينيًّا يعمل في الفندق، فسألته عن الجالية الصينية في سويسرا، فأجاب بأنَّها نادرة، فقلت له: وماذا تعمل هنا؟ قال أنظف الغُرف، وأنا طالب جامعي في مرحلة الماجستير، مُتخصص في إدارة الأعمال، لا رِزْقَ لي إلاَّ من هذا العمل، آكل منه وأسدد رسومَ الدِّراسة، فذكرتني هذه الحادثة بتلك، وتعجَّبت من شاب لديه مثل هذه العزيمة، في حين أن هناك شبابًا كثيرين عندنا هم عالة على أهليهم!

هذا في إطار الأفراد، أمَّا في حالة الأمَّة فإنَّها مجموعة من إرادات أفراد أقوياء يصنعون مُستقبلاً قويًّا بلا اتكاليَّة أو مسكنات، وهؤلاء هم الذين يصنعون الأمم القويَّة، أمَّا الإرادات الضعيفة التي تعتمد على الآخر والإحسان والمعونات، فلا تصنع إلاَّ أمَمًا ضعيفة تابعة، فالأمم ما هي إلا تجمع إرادات أفرادها.

محمد بن علي القعطبي

اقرأ المزيد

درس في المنهج

مرسلة بواسطة احمد المصري | التسميات: | في الجمعة، 18 يونيو 2010 الساعة 3:13 م




في كتابه المثير والرائع (الدولة في الإسلام) كتب الراحل الكبير خالد محمد خالد ، يعتذر للأمة عن خطئه القديم عندما هاجم التاريخ الإسلامي وهاجم الحكومة الإسلامية ونفى وجودها وشرعيتها في كتابه الشهير (من هنا نبدأ) . (44)

فكتب يقول : (ذهبت أقرر أن الإسلام دين لا دولة ، وأنه ليس في حاجة إلى أن يكون دولة ، وأن الدين علامات تضيء لنا الطريق إلى الله ، وليس قوة سياسية تتحكم في الناس ، وتأخذهم بالقوة إلى سواء السبيل ، ما على الدين إلا البلاغ وليس من حقه أن يقود بالعصا من يريد لهم الهدى وحسن ثواب .

وقلت : إن الدين حيت يتحول إلى حكومة فإن هذه الحكومة الدينية تتحول إلى عبء لا يطاق وذهبت أعدد يومئذ ما أسميته: غرائز الحكومة الدينية وزعمت لنفسي القدرة على إقامة البراهين على أنها -أعني الحكومة الدينية- في تسع وتسعين في المائة من حالاتها جحيم وفوضى وأنها إحدى المؤسسات التاريخية التي استنفدت أغراضها، ولم يعد لها في التاريخ الحديث دور تؤديه، وكان خطئي أنني عممت الحديث حتى شمل الحكومة الإسلامية ، وقلت : إن غرائز الحكومة الدينية تجعلها بعيدة عن الدين كل البعد) .

ثم يضيف ـ رحمه الله ـ قائلا : (وحين أرجع بذاكرتي إلى الأيام التي سطرت فيها هذا الرأي وهذه الكلمات لا أخطئ التعرف إلى العوامل التي تغشتني بهذا التفكير ، والكاتب حين يحيا بفكر مفتوح بعيدا عن ظلام التعصب وغواشي العناد ، فإنه يستطيع دائما أو غالبا أن يهتدي إلى الصواب ويقترب من الحقيقة ويعانقها في يقين جديد وحبور أكيد ، ونحن مطالبون بأن نفكر دائما ونراجع أفكارنا ، وننكر ذواتنا ، ونتخلى عن كبريائنا أمام الحقائق الوافدة) . (45)

ثم يتابع (خالد محمد خالد) رحلته مع العقل والتطور ، متحدثا عن أسباب غلطه وخطئه فيرده إلى سببين : تأثره بتاريخ الكنيسة وصراعاتها في التاريخ الأوروبي في العصور الوسطى ، وكذلك تأثره السلبي بأعمال العنف التي ارتكبها أفراد الجهاز الخاص للإخوان المسلمين .

ويضيف ـ آملا التركيز الشديد في عباراته ـ (كان الخطأ الأول مضاهاتي الحكومات الدينية الكنسية بحكم الإسلام ، وكان الخطأ الثاني تعميم نتائج ما اقترفه الجهاز السري باسم الإسلام ، وفي كل الخطأين كان هناك خطأ في المنهج ذاته ، فقد جعلت ما تأثرت به من قراءاتي عن الحكومة الدينية في المسيحية ، وما تأثرت به من تحول بعض الشباب المسلم ممن نساك إلى قتلة ، جعلت هذا وذاك (مصدر) تفكيري لا (موضع) تفكيري .

وفارق كبير بين أن تجعل الحديث أو الشيء مصدر تفكيرك ، وبين أن تجعله موضع تفكيرك ، عندما يكون مصدر تفكيرك فإنه يقودك في طريقه هو لا في طريق الحقيقة ، وتبصر نفسك من حيث لا تشعر أو لا تشعر مشدودا إلى مقدمات ، وسائرا نحو نتائج الاستقلال الفكري ، حظه من تمعنها ودراستها ، أما حين يكون الشيء موضع تفكيرك فإنه يمد تفكيرك المحايد والمستقل بكل اعتبارات القضية المدروسة دون أن يلزمك بحكم مسبق يتحرك الفكر داخل إطاره الحديدي الصارم .

إلى هذا السبب الجوهري أرد خطئي فيما أصدرته ـ قديما ـ من حكم ضد الحكومة في الإسلام ، هذه التي أسميتها بالحكومة الدينية) . (46)

أعتذر عن هذه الإطالة في الاقتباس ، ولكني وجدتها ضرورية للغاية لبعض سياقنا الحالي .

فمن جانب ، فإن كتاب (من هنا نبدأ) هو المرجع الخصب لمعظم مقولات الدكتور رفعت السعيد ، وإن لم يصرح هو بذلك ، وإنما تكفي مراجعة الكتاب ومراجعة أقوال (رفعت) نجد التطابق مذهلا ، ليس في الحديث عن الحكومة الدينية وفسادها ونحو ذلك فحسب ، بل أيضا عن الاشتراكية كأمل للشعوب وراية للنهضة !

الجانب الآخر هو التماس هذه الروح العلمية الصادقة والشفافة الباحثة عن الحقيقة ، فاهتدت إليها ، لنقارنها بروح الانغلاق والجمود والثأر والانتهازية السياسية والفكرية مهما كانت نتائجها ، ولو أدت إلى خراب الوطن نفسه !

والجانب الثالث وهو الأكثر أهمية لسياقنا الحالي هو الأساس المنهجي العميق الذي نبه إليه (خالد محمد خالد)* ، وهو ضرورة التفريق بين الأحداث كموضع للتفكير ، وبين الأحداث كمصدر للتفكير ، وكيف أنها لو جعلناها مصدرا للتفكير ستنتهي بنا بعيدا عن الحقيقة والصدق وتسجننا في إطار حديدي مغلق .

وهذا هو الخلل المنهجي الكبير الذي يقع فيه (المفكر الماركسي) رفعت السعيد عندما ينظر إلى الحركات الإسلامية بشكل عام ، والإخوان المسلمين بشكل خاص ، إنه يجتزئ بعض مواقف قديمة أو أقوالا شاردة في خطبة حماسية أو عبارات أدبية قالها أحدهم لكي يجعلها (مصدر تفكيره) ويبني عليها رؤيته لمنهج الحركة وتاريخها كله .

والحقيقة أننا ـ إضافة إلى ما سبق ـ لا يمكننا إبعاد الهوى والغرض عن مثل هذا الخلل المنهجي في كتابات (رفعت السعيد) ، وهو ـ لذلك ـ يتصف بالقدرة الهائلة على رفع الشخص أو التيار إلى السماء ثم يهبط به إلى أسفل سافلين ، ولا يجد في ذلك أي حرج أو تناقض ، مثلما فعل مع الباحث الدكتور (رفيق حبيب) حيث كتب عن غزلا يحيله إلى ما يشبه نجمات السماء وكواكبها ، ثم كتب عنه بعد ذلك يصفه بأنه يعلو عن مستوى (راقصة تهز الوسط) . (47)

وهكذا في موقفه مع الإخوان ، فهو يجعلهم عملاء للصهيونية والأمريكان ، لكنه يعود ليعترف بأنهم أبطال المقاومة المصرية ضد الصهيونية ، وكتب بالحرب الواحد يقول : (يجب أن نضع في الاعتبار أن القوى التقدمية المصرية ، والأحزاب الوطنية لم تنتبه لخطر الصهيونية ، ربما لعدم نمو الإدراك العربي لديها ، وربما لعدم إدراك مخطرها الحقيقية ، ولم يتصد لمقاومة الصهيونية في بداية الأمر سوى الإخوان المسلمين) . (48)

غير أن معظم كتابات (رفعت السعيد) عن تاريخ الإخوان عدائية وثأرية اللغة ، وسطحية ـ إلى حد كبير في فهم الأحداث ، وانتقائية في اختيار المصادر ، حتى وصل الأمر به ـ كما سبق ـ إلى جعل أحد مصادره ضابطا من مباحث أمن الدولة !

والحقيقة أن جرأة الدكتور (رفعت) على التاريخ تصل ـ أحيانا كثيرة ـ إلى حد القبول بالسخافات والأساطير ، مثل حديثه عن أن جيش معاوية بن أبي سفيان عندما دخل المدينة المنور ، اغتصب عذرية ألف فتاة بكر من بنات المسلمين (49) ، فمثل هذا الهراء لا يليق بباحث ينتمي إلى الأكاديمية) .

وبالمناسبة فهناك (أكاديمي) آخر لعله ـ هو أيضا ـ من هؤلاء الفاشلين الذين حصلوا على شهاداتهم رشا من (جنة الشيوعية) كتب في بحث يدرسه للطلبة أن المسلمين عندما فتحو الأندلس طبخوا أول جندي مسيحي قتلوه وأكلوه !! فمثل هذه الخرافات والسخافات لا يليق برفعت السعيد أن يرددها ، لأن منهج (ألف ليلة وليلة) لا يمكن نسبته إلى العلم والصدق والأمانة ، ولا العقل أيضا !!

ولكن يبدو أن الرغبة العارمة في تشويه الخصوم أو الأفكار المخالفة له هي أكبر وأعتى من الضبط العلمي ، ومن العقل معا .



........

والحقيقة أن المرء يحار ـ أحيانا ـ في فهم مراد الدكتور رفعت السعيد من معارضاته للمفكرين والعلماء المسلمين ، فإنه ـ وفق قاعدة التناقض ـ يذم أحدهم إذا قال برأي ثم يعود ليمجد نفس الرأي عندما يصدر من شخص آخر ، مثلما تغزل بإطراء عجيب في كلماته لفضيلة الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ دعا فيها إلى التخفف من أثقال بعض المتون والحواشي والتفاسير لكي نستطيع أن نتصل مباشرة بمنبع النور ، بالقرآن الكريم ذاته . (50)

لكنه يعود ليهاجم المفكر الإسلامي المستشار طارق البشري عندما يدعو بنفس الدعوة ، بل ويتهمه بأنه يتماثل في ذلك مع أقوال شكري مصطفى زعم التفكير والهجرة ؟! (51)

فلم نعد ندري ، هل هو مع التخفف من التراث أم أ،ه مع حمله جملة وتفصيلا ، مرة أخرى يحيرنا الدكتور ، والمثير للدهشة والاستغراب أن نفس المنهج الذي هاجم بسببه (طارق البشري) وقف هو نفسه ليدافع عنه أمام رفاقه الماركسيين ، حيث طالب بالتخفف من ركام المؤلفات والشروح الماركسية وأضاف قائلا : (ضرورة اللجوء إلى المنابع الأصلية للفكر الماركسي في محاولة للتعرف على الأصول الحقيقية والقوانين العامة التي تولدت منه) . (52)

ويبدو أن منهج (شكري مصطفى) استطاع ـ في نهاية المطاف ـ أن يجتذب الدكتور رفعت السعيد إلى صفه !

وعلى جانب آخر ، بينما نجد الدكتور رفعت السعيد يهاجم بضراوة من سماهم (المتأسلمون الذين يفرضون علينا رأيهم دون غيره ، مفترضين أنه وحده صحيح الإسلام) (53) بينما يقول هو ذلك ، نجده يمارس نفس ما يأخذه على خصومه ، فقد جعل من نفسه الوصي الوحيد على صحيح الدين ، فمن وافقه فقد وافق صحيح الدين ومن خالفه فقد خرج على صحيح الدين !!

والمدهش أنه أخرج العلماء جميعا أو غالبيتهم من صحيح الدين ، فشيخ الأزهر ـ عنده ـ لا يفهم صحيح الدين ، والشيخ الشعراوي متأسلم وخارج على صحيح الدين ، والشيخ محمد الغزالي يفتي بما هو ضد صحيح الدين .

والمسألة ـ كما هو واضح ـ تحولت إلى نوع من الكوميديا المسفة ، خاصة إذا تذكرنا أن هذا الذي جعل نفسه مرجعية صحيح الدين هو نفسه الذي يعلن إيمانه المطلق واليقيني بالماركسية وكل قوانينها التي سماها بالعلمية ؟!!

والمثير للأسى في هذا المجال ، أنه عندما وقع الخلاف بين شيخ الأزهر سابقا والمفتي السابق حول تحريم (الفائدة) في البنوك حيث أباحها المفتي ، علق قائلا : (من جانبنا نحن نفضل اجتهادات دار الإفتاء وفضيلة المفتي) (54) ، إلى هذا الحد ، الانحياز إلى الفائدة ، هل هذا معقول يا دكتور ؟ دعنا من حكاية صحيح الدين ، فهي واسعة ! ولكن لنتحدث عن (صحيح الماركسية) ، هل في صحيح الماركسية تدافعون عن (الفائدة) ؟ّ! هل هذا معقول ؟!



3



بقيت ملاحظتان بسيطتان ، أختتم بهما هذا الفصل :

الملاحظة الأولى : تتعلق بحرمة القرآن الكريم عند المسلمين ، وعدم جواز العبث به وبآياته ، على النحو الذي وقع في كتاب الدكتور رفعت السعيد (ضد التأسلم) ، الذي صدر ضمن سلسلة كتاب الأهالي ، فقد كانت الأمانة والمروءة تقتضيان الدقة في نقل الآيات القرآنية بدلا من هذا التشويه والأخطاء الفاحشة في كتابة بعض الآيات ، وقد يرى البعض أن هذه الأخطاء غير ذات قيمة ، عندما يسقط سطر كامل من آية ، وكلمات من غيرها ، على أساس أنه كتاب من الكتب ، ولكنه (القرآن) عند المسلمين وأهل الإيمان كلام الله ، وهو مقدس ، ولا يجوز العبث فيه بإسقاط كلمة فما فوقها ، بل حرف فما فوقه ، وإني أطالب الدكتور رفعت السعيد مؤلف الكتاب بالإعلان عن تصويب هذه الأخطاء الفاحشة ، مثل ما وقع في الصفحة رقم 9 ، وآية سورة الحج ، وعليه أن يقوم بسحب النسخ المطروحة في الأسواق لإجراء التصويب اللازم قبل إعادة طرحها من جديد ..



والملاحظة الثانية : تتعلق بالأمانة العلمية ، والتواضع للبحث العلمي ، فهذا أبسط ما يمكن اشتراطه فيمن يتصدى للكتابة ، ناهيك عن باحث أكاديمي ، فلم يكن من اللائق بالدكتور رفعت السعيد أن ينسب لنفسه أنه بحث عن أصل كلمة (أهل الحل والعقد) في تاريخ الإسلام حتى وجد أن أول من قالها هو (الماوردي) ، بل إن الدكتور يغالي ويزايد في جهده المزعوم فيقول : (لقد اجتهدت كثيرا لكي أعرف من أين أتت كلمة أهل الحل والعقد ، واكتشفت ...) . (55)

ومشكلة الدكتور أنه ينسى كثيرا ، وهنا نسى أنه اعتراف سابقا بنقل هذه المعلومة من بحث (اجتهدت فيه) الباحثة الدكتورة (هالة مصطفى) في كتابها (النظام السياسي والمعارضة الإسلامية في مصر) الصفحة رقم 48 ، وقد نقلها عنها الدكتور رفعت في مقالة نشرها في جريدة الأهالي بتاريخ 3 مايو 1995 ، فمن العيب ، والعار أن يتحدث الرجل بقوله : (اجتهدت كثيرا لي أعرف ..) إلا إذا افترض أن قراءته لكتاب (هالة مصطفى) نوع من الاجتهاد الكثير ؟!!!



هوامش:



(44) المثير للدهشة أن معظم العلمانيين العرب لا يزالون حتى الآن يعتبرون كتاب (من هنا نبدأ) مرجعية للتنوير ونموذجا للروح العلمية في دراسة تاريخ الإسلام ، متجاهلين نقد المؤلف نفسه لكتابه ، وإعلانه البراءة من منهجه فيه ، ويتجاهلون كذلك كتاب (الدولة في الإسلام) رغم خطورته !
جمال سلطان | 18-06-2010 21:07
(45) خالد محمد خالد (الدولة في الإسلام) ، صـ 11 ، ط دار ثابت ـ الثالثة ـ 1989 .

(46) المصدر نفسه ، صـ 16 .

(47) راجع طلعت رميح (الوسط والإخوان) صـ 101 ، 102 ، ط. مركز يافا للدراسات والأبحاث بدون تاريخ .

(48) اليسار المصري والقضية الفلسطينية ، صـ 292 .

(49) ضد التأسلم ، صـ 18 .

(50) ضد التأسلم ، صـ 20 .

(51) رفعت السعيد ، صفحة من تاريخ مصر ، الأهالي 19 ـ 2 ـ 1997 .

(52) ماركسية المستقبل ، صـ 62 .

(53) ضد التأسلم ، صـ 6 .

(54) ضد التأسلم ، صـ 48 .

(55) ضد التأسلم ، صـ 250 .

اقرأ المزيد

ظاهرة التناقض (2)

مرسلة بواسطة احمد المصري | التسميات: | في الأربعاء، 16 يونيو 2010 الساعة 3:33 م



وظاهرة التناقض العجيب في آراء ومواقف المفكر الماركسي (رفعت السعيد) تورده أحيانا موارد التهلكة ، وتجعله يطعن رفاقه ونفسه متوهما أنه يوجه حرابه ضد خصومه السياسيين ، ولعل من أبرز هذه المفارقات المؤسفة لجوءه إلى أقوال اللواء (فؤاد علام) ضابط مباحث أمن الدولة الشهير ، ليعتبرها مرجعا صادقا لما أسماه (جرائم الإخوان) ضد الوطن وضد الزعامات الوطنية .

وقد نشر سلسلة مقالات في هذه (الفضيحة) يحتج بأقوال ضابط مباحث أمن الدولة ضد معارضين سياسيين ، ولم ينتبه الدكتور رفعت إلى أنه ـ باختياره ذلك المنهج ـ يفتح على نفسه وعلى رفاقه أبواب الجحيم ، فهل يبيح الدكتور رفعت لخصومه أن يجعلوه ضمن جماعة (الحرامية) الذين ساهموا في انتفاضة 17 ، 18 يناير ، لأن تقرير مباحث أمن الدولة للقيادة السياسية شخصها بأنها (انتفاضة حرامية) .

وهل يبيح لنا الدكتور رفعت السعيد أن نصدق باطمئنان كامل مذكرة مباحث أمن الدولة التي وصفت (حزب التجمع) بأنه تحول إلى (وكر) للتنظيمات السرية المتطرفة والإرهابية ، والتي تقوم بالتخطيط للتآمر على نظام الحكم لقلبه بالقوة ، وأن الحزب يحتضن جماعات إرهابية تقوم بممارسة التصفية الجسدية لمن يخرج عليها أو تهدده بذلك ؟!

هل يريد منا الدكتور رفعت السعيد أن نصدق كلام السيد اللواء واضع هذا التقرير ونجعله جزءا من تاريخ مصر السياسي ؟! ومنذ متى يا دكتور رفعت كان الجلادون والقتلة هم المرجع لتاريخ الحركة الوطنية ؟! هل هذا يشرفك أو يشرف أي مناضل مصري ، يساريا كان أو إسلاميا أو غير ذلك ؟!

هل يصل بنا الحال إلى هذا المنحدر العجيب ؟! هل تقبل أقوال ضابط أمن الدولة في وقائع إضرار عمال السكة الحديد ؟ هل تقبل أقوالهم في التنظيمات اليسارية العديدة التي قاموا بضبطها في السبعينيات ؟ هل نعتبر مذكرة السيد اللواء جزءا من تاريخ مصر الوطني نقيم بها صلاح عيسى وحسين عبد الرزاق ونبيل الهلالي (37) وغيرهم من المناضلين الشرفاء ؟ !

يا دكتور رفعت أنت مطالب بتقديم الاعتذار العلني لكل القوى الوطنية المصرية ، وكل الشرفاء الذين تعرضوا لتزوير بعض السادة اللواءات وافتراءاتهم ومحاولاتهم تشويه صورة أبناء هذا الوطن الذين يكابدون الصعاب والآلام من أجل مستقبل أكثر عدلا ونورا ورحمة .

وهناك قصة طريفة أهديها إلى الدكتور رفعت السعيد للعظة والعبرة ، ففي سبتمبر عام 1982 ، قام جهاز مباحث أمن الدولة بتلفيق قضية ضد بعض الإسلاميين ، التهمة كانت قلب نظام الحكم ، وقد نشرت الأهرام بيان الجهاز الأمني حول القضية الخطيرة ؟! وكانت الأسلحة التي تم ضبطها لقلب نظام الحكم هي كمية من بمب الأطفال ومسامير وشريط نوم !!

الأمر الذي استفز كاتبا يساريا أبلغ استفزاز فكتب متهكما يقول : (ورجال الأمن أكفاء ، وكل يوم يعلنون عن مؤامرة لقلب نظام الحكم ، لكن صحافتنا سامحها الله تتعامل معنا وكأننا بلا عقول ..) .

ثم يضيف نفس الكاتب ساخرا ، (وللعلم فإن تكلفة قلب نظام الحكم وفق جريدة الأهرام لا تزيد على ثلاثة جنيهات وربع ، يا بلاش) . (38)

هل تذكر هذا الكاتب يا دكتور رفعت ؟ إنه الدكتور رفعت السعيد ، مع الأسف ، وهل تذكر من صاحب هذه القضية الفكاهية التي أثارت ضحكك ، إنه ـ مع الأسف الشديد ـ اللواء فؤاد علام الذي جعلته مرجعا لتاريخ الحركة الوطنية في مصر ؟!

ومرة أخرى يا دكتور رفعت ، إني أطالبك بتقديم الاعتذار العلني لكل المناضلين الشرفاء الذين ذاقوا مرارة التعذيب والتلفيق على يد المراجع العلمية الأمنية التي اكتشفتها مؤخرا .



..........

كان مثيرا للدهشة ، دهشتي أنا على الأقل ، وأنا أستمع إلى الدكتور رفعت السعيد في إحدى ندوات معرض الكتاب الأخير 1997 ، (39) وهو يتغزل في من سماه (المناضل والوطني الكبير ولي الدين يكن) ومعاداته للاستعمار التركي ونضاله لتحرر مصر من قبضته ، وتلا شعرا من شعره ليؤكد كلامه ، ومصدر دهشتي أن الدكتور رفعت السعيد نفسه هو الذي كتب بخط قلمه في كتابه (اليسار المصري والقضية الفلسطينية) يقول بأن ولي الدين يكن كان عميلا للإنجليز ، وأنه ألف كتابا سماه (المعلوم والمجهول) صدره بصورة للورد كرومر ممثل الاحتلال الإنجليزي لمصر ، وكتب تحت الصورة (مصلح مصر) (40) ؟!!!

فهل هذا هو النموذج الذي يقدمه لنا (رفعت السعيد) كقدوة في الوطنية والتحرر ، عميل للإنجليز ؟! ، وكيف يكون الشخص الواحد مناضلا للحرية وعميلا للاحتلال في آن واحد ، هذا أمر صعب الاستيعاب يا دكتور رفعت ، أليس كذلك ؟!

كذلك من الطرائف العجيبة أن الدكتور رفعت السعيد يرثي دائما النقراشي باشا ، ويصفه بأنه ضحية الإرهاب الإخواني ، يحرص المفكر الماركسي على تبجيل الرجل ولا يتحدث عنه إلا بلقب باشا !!

فكأن النقراشي (باشا) كان من بقية المناضلين الكبار الذين سجل الوطن أسماءهم بحروف من نور ، لكن الأمر ليس كذلك قطعا ، فالدكتور رفعت السعيد نفسه ـ مع الأسف ـ هو الذي وصف النقراشي بأنه مجرد عميل صهيوني ؟!

وهو يؤكد هذه الحقيقة بما يشبه الحسم فيقول : (إن لدي معلومات شبه مؤكدة تقول إن الحركة الصهيونية في مصر قد عقدت صفقات مع كثير من الساسة المصريين ، ومنهم النقراشي باشا ، بهدف ضمان معاملة المعتقلين الصهيونيين معاملة جيدة ، وأحيانا بهدف غض الطرف عن النشاط الصهيوني في مصر) . (41)

حيرتنا يا دكتور ، هل الرجل مناضل وشهيد الوطن وضحية التأسلم ، أم أن الرجل عميل صهيوني يتستر على التخريب الصهيوني في مصر المحروسة ؟!

بيد أن التناقض يصل أحيانا إلى درجة الانهيار الأخلاقي والفكري والسياسي الكامل ، عندما يطالب مناضل ماركسي كبير رجال السلطة بالدفاع عن مكاسبهم ومناصبهم رغم اعترافه الصريح بأنهم نخبة فاسدة ، اجتمعت فيها كل صور الفساد .

فهو يصف النخبة الحاكمة في مصر الآن بقوله : (الطبقات الحاكمة لم تقدم لمصر سوى الهوان والإفقار والتبعية وتدمير البنية الاقتصادية التي أنفق الشعب المصري ماله وعرقه في بناءها ، وهي غير مؤهلة لتحقيق مشروع قادر على إخراج مصر من ورطتها) . (42)

هذه النخبة الفاسدة ، بل التي اجتمع فيها الفساد كله ، وترهلت حتى لم يعد يرجى منها أي خير لمصر ، كما قال الدكتور رفعت هي ذاتها النخبة التي يحرضها علانية لضرب التيار الإسلامي دفاعا عن (مناصبهم) فعبد أن حرضهم على ضرب واستئصال التيار الإسلامي خاطبهم قائلا : (يا سادة إن لم يكن من أجل صحيح الدين ، فمن أجل أنفسكم ومصالحكم ومناصبكم) . (43)

يا إلهي ، مناصبكم ، هكذا يا دكتور ؟! لقد كنت أتوقع أن تبادر أنت نفسك برفض (المنحة) التي منحتها لك هذه النخبة الفاسدة ، وتنزيها لنفسك من أن تكون جزءا من النخبة الفاسدة ، خاصة وأن هذه المنح البرلمانية تذكرنا بالمنح الأخرى التي حدثتنا أنت عنها كرشى من قسم العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي ، فالفساد كل لا يتجزأ ، ومن يقبل منح المفسدين فسوف يكون مضطرا لدفع الثمن للمفسدين .

لقد كنت أتوقع المبادرة منك وأنت المناضل الماركسي ضد الفساد العفن ، أما أن ينتهي بك الحال لتحريض المفسدين ، الذين وصفتهم أنت بكل موبقات الفساد ، تحرضهم على الاستمساك بمناصبهم ، فلا حول ولا قولة إلا بالله !


جمال سلطان | 16-06-2010 23:49
هوامش:



(37) الثلاثة من الرموز المضيئة في اليسار المصري .

(38) رفعت السعيد ، الأهالي ، بتاريخ 29 ـ 9 ـ 1982 .

(39) ندوة مناقشة كتاب المستشار طارق البشري (في المسألة الإسلامية المعاصرة) .

(40) رفعت السعيد (اليسار المصري والقضية الفلسطينية) صـ 21 ، ط . دار الفارابي ، بيروت 1974 .

(41) اليسار المصري والقضية الفلسطينية ، صـ 292 .

(42) ماركسية المستقبل ، صـ 95 .

(43) ضد التأسلم ، صـ 134 .
اقرأ المزيد

ظاهرة التناقض

مرسلة بواسطة احمد المصري | التسميات: | في الثلاثاء، 15 يونيو 2010 الساعة 4:41 م



(ألف عام من المجد ، ما من جامعة لعبت دورا كدوره ، وهو ليس مسجدا كأي مسجد آخر ، كان الأزهر مدرسة ومنارة وموئلا للمظلومين وقيادة لمعارك الوطن ، وفي ظل الأيام السوداء عندما كان المحتلون الغرباء من الممالك أو الفرنسيين يدوسون كرامة مصر وترابها بسنابك خيولهم ، عندما كان المصري ممتهنا ومطحونا ، كان الطغاة يخشون من شيء واحد ، الأزهر ، فعندما تسوء الأحوال ، ويطفح الكيل لا يجد المصريون موئلا سوى الأزهر ..

وما من مرة قاد فيها مشايخ الأزهر معركة من معارك الوطن إلا وانتصروا ، ولم تزل مصر بحاجة إلى تلك المآذن كي تضئ من جديد ، والذين ساروا في موكب المشايخ حتى بيت الوالي التركي فضربوه وجرسوه وأركبوه حمارا بالمقلوب لأنه خالف شرع الله ، نفس هؤلاء الناس البسطاء والحريم اللاتي استجرن بالمشايخ عشرات المرات من ظلم المماليك فأجاروهن ، هؤلاء الناس يتطلعون إلى نفس المآذن العنيدة ، ينتظرون لحظة الأذان) . (28)

هذه العبارات النارية الثورية الهادرة ، ليست من كلام الشيخ عمر عبد الرحمن ، أمير الجهاد وهو يحرض أتباعه ضد الحكام الذين خالفوا شرع الله ، ولا هي من كلمات خالد الاسلامبولي ، وهو يبرر ضربه للحكام الذين خالفوا شرع الله ، ولكنها ـ يا للمفارقة !! ـ هي نص عبارات المفكر الماركسي الكبير الدكتور رفعت السعيد !!

إننا أمام حالة عشق للدور السياسي للأزهر ، ودفاعه عن المظلومين ، وضربه للحكام الذين يخالفون شرع الله ، وتصديه لقضايا الوطن الكبرى والصغرى ، سواء ـ ولكن المثير للدهشة أن هذا الكلام هو كلام (مفكر ماركسي) يدعو ـ في نفس اللحظة ـ وبكل قوة وعنف ، لعدم تسييس الدين ، ويحذر من تديين السياسية ؟!

بل إن الدكتور رفعت السعيد صاحب الخطاب التحريضي للمشايخ والعلماء للدفاع عن شرع الله والمظلومين ، هو نفسه الذي هاجم فتوى دينية صدرت بخصوص زيارة القدس والصلح مع العدو الصهيوني وعلق قائلا : (هذا هو الخطر الداهم من تسييس الدين أو أسلمة السياسية) (29) . ثم يضيف قائلا : (فلم لا يكون الدين للديان ، ولم لا يكون كما هو فعلا ، علاقة بين العبد وربه) . (30)

والحقيقة أنه من الصعب على مثلي التصديق بأن قائل هذا الكلام هو نفسه قائل الجملة التحريضية السابقة ، إذ لا يمكن صدور مثل هذا التناقض عن شخص واحدة عاقل ، ويدرك مواطن كلامه ، وخاصة من مثل الدكتور (رفعت السعيد) حيث يفترض فيه أن يزن كلامه جيدا قبل أن يخرجه لأنه محسوب عليه ، ومعدود عليه !!

ولكن يبدو أن مرد هذا الأمر هو الانتهازية السياسية ، التي تجعله إذا احتاج إلى الأزهر تغزل فيه وفي نضاله ، خاصة في أيام الانتخابات ، وأما إذا يئس منه ، صب عليه جام غضبه ، ودعا غلى عودة الدين بين العبد وربه ، فلا يخرج إلى الشارع ولا النساء ولا المظلومين ، ولا شأن له بالحاكم ولا بشرع الله !!!

والانتهازية مرض أخلاق بشع ، ولكنها المخرج الأهون للدكتور رفعت من هذا التناقض ، وذلك لأن الطعن في الأخلاق أهون من الطعن في أشياء أخرى .

والحقيقة أنني أعدت نشر كلام الدكتور رفعت السعيد عن (ضرب الولاة وتجريسهم لمخالفتهم شرع الله مضطرا، لأن أخشى ما أخشاه أن يأتي أحد من جماعات العنف الديني ، فيحتج بكلام الدكتور على أنه (صحيح الدين) ثم ينطلق إلى ارتكاب حماقات وخيمة العواقب .

على أن الدكتور (رفعت السعيد) لا يترك الناس وشأنهم إذا قعدوا في بيوتهم يتدينون ، ويتركون الساسة والسياسية ، وإنما هو يطاردهم بالهجوم على (الدين ذاته) أو علاقتهم بالله ، ولذلك تجده يهزأ من الآداب الدينية ، مثل أن يعطس الشخص فيقول (الحمد لله) ، ويرى ذلك جهلا وتخلفا . (31)

ويستفزه أن تطبع دار نشر كتابا للأطفال فيه صورة رجل ملتح أو امرأة محجبة ، فالقضية عند المفكر الماركسي أبعد من مجرد إبعاد الدين عن السياسية ، إنها احتقار لالتزام الجماهير بآداب الدين ذاته ، أو تمسكهم بشعائره الأخلاقية أو السلوكية ..



........

ونفس هذا الاضطراب في الموقف من المؤسسات الدينية وظاهرة (الانتهازية) السياسية حدثت مع (الأقباط) و (الكنيسة) و (البابا) ، ولقد كان مثيرا للدهشة أن يسكت الدكتور (رفعت السعيد) ويصمت صمت الحملان على حملة التجريح التي تعرض لها البابا شنودة على صفحات الأهالي ، إلى الحد الذي تنشر فيه الجريدة مانشيتا بالبنط العريض يقول : (البابا شنودة رفض التصريح للأقباط بزيارة القدس ثم يشارك في استقبال بيجين في المطار) . (32)

والدكتور رفعت الذي لا يترك شاردة ولا واردة مما يمس الأقباط إلا ويطاردها ويهاجم بضراوة من يهاجم الأقباط (والبابا) ، لا أدري لماذا تجاهل هذا التجريح غير المقبول لواحد من أكثر المواقف شرفا للكنيسة المصرية ؟!

على أن الدكتور رفعت السعيد تحول في الآونة الأخيرة إلى تقمص دور محامي الأقباط في المعارضة المصرية ، وهو يغالي في هذه المسألة إلى حد (التهور) ، وتعريض أمن البلاد ووحدة الأمة للخطر والفتنة ، فهو لا يترك مناسبة إلا ويحرض فيها (الأقباط) على بناء المزيد من الكنائس أو المطالبة بذلك ، ويصف حرمانهم من ذلك بأنه اضطهاد وقمع ، رغم علمه بالحساسية البالغة لهذا التصرف على صعيد المواطن العادي ، وهو ما جربه الوطن وكانت عواقبه وخيمة لولا ستر الله ورحمته بمصر .

وأخشى ما أخشاه أن يكون شعور (الإحباط الماركسي) الذي وصفه لنا الدكتور في كتابه (ماركسية المستقبل) قد تحول إلى رغبة عارمة في الهدم والتخريب والتدمير على طريقة (علي وعلى أعدائي) أو كما عبر الشاعر القديم :

إذا مت ظمآن فلا نزل القطر

وهذا بعد نفسي بالغ الخطورة ، ينبغي أن يحذر منه المسلمون والأقباط جميعا ، وهم يقرءون أدبيات الماركسية الجديدة ، وخاصة منها كتابات الدكتور رفعت السعيد ، إذ الإحباط له انعكاسات خطرة سياسيا واجتماعيا .

والمثير للدهشة أن الدكتور رفعت السعيد لا يتهم الجماعات الإسلامية وحدها باضطهاد الأقباط ، بل هو يتهم الحكومة المصرية بالتواطؤ مع (المتطرفين) في اضطهاد الأقباط ، وهذا كلام خطير ، ويستعمله المتطرفون الأقباط في أمريكا وكندا لتحريك الحملات المعادية لمصر وشعبها ونظامها السياسي في الخارج ..

فبعد أن تحدث الدكتور (رفعت) عن ممارسات الاضطهاد الحكومية ضد الأقباط ، يقول : (ويمكن القول أن هذا الممارسات تتصاعد وتصل أحيانا إلى حدود ما لا يطاق) . (33)

وأرجو أن يلاحظ القارئ لغة الشحن وإيماءات التحريض على الثورة والعنف والغضب ، فالأقباط مضطهدون ، والاضطهاد وصل إلى درجاته القصوى ، فأصبح لا يطاق ، أي أن (الانفجار) أصبح على الأبواب .

بل إن الدكتور (رفعت السعيد) ينسى نفسه في غمرة التحريض على الفتنة ، فيكتب كلاما في غاية الخطورة و (الرعب) ويمثل جريمة فكرية مؤسفة في حق وحدة الوطن وسلامته ، عندما يلمح إلى (احتمالية الثورة القبطية) ثم يمنحها الشرعية الكاملة ، لو قامت ، فيما يشبه التحريض السافر والمشين على الفتنة الطائفية في مصر .

انظر وتأمل بدقة كلماته إذ يقول معقبا على ما وصفه باضطهاد الحكومة والجماعات للأقباط : (الكنيسة هي وحدها وليس أحد غيرها القادرة على حماية الوطن من غضب قبطي ربما كان مفترضا ومشروعا) !!! (34)

تأمل آخر الجملة (مفترضا ومشروعا) ، هذا لعب بالنار يا دكتور ، ولا توجد شرعية لأي ثورة طائفية في مصر ، ولا يمكن أن يتحدث وطني شريف وعاقل عن (شرعية الثورة الطائفية) ، ولا بد أن تتوقف الأقلام العابثة فورا عن إشعال لهيب الفتنة والتحريض على العنف ، وإيغار الصدور وتحريك بواعث الحق والمرارة في النفوس ، وإن أي ثمن سياسي لا يمكن أن يبرر مثل هذا التهور والطيش والتلاعب بوحدة الوطن .

والحقيقة أن شعور الدكتور (رفعت السعيد) بانفضاض الجماهير المسلمة والمؤسسات الإسلامية عن تياره الفكري والسياسي ، جعله يرتمي في أحضان الجهة الأخرى ، الجماهير القبطية والمؤسسة الدينية (الكنيسة) و(البابا) ، وهو لا يخفي هذه النزعة بل يعلنها صراحة ، فبعد فاصل من الغزل السياسي للكنيسة ودورها السياسي ، تحدث عن الموقف من التطبيع مع الصهاينة ، وامتلك الجرأة ـ ولا أقول غير ذلك تأدبا ـ على الزعم بأن الكنيسة واليسار وحدهما يقفان ضد التطبيع ، ثم يعلق على ذلك قائلا : (هو ـ البابا ـ واليسار ، إنها المصادفة الغريبة مرة أخرى) . (35)

أريتم نهاية اللعبة ، لعبة النار والفتنة ، إنها البحث عن التحالف مع الكنسية ! وقبل أن أغادر هذه النقطة أجدني مضطرا لإثبات سؤال إلى اليسار المصري كله : هل صحيح أن اليسار والبابا وحدهما ضد التطبيع ، وبقية قوى الأمة مع التطبيع ؟! فقط هنا أثبت السؤال ، والواقع أنني لا أنتظر الإجابة !

ومرة أخرى ينسى الدكتور (رفعت السعيد) تحذيراته من (تسييس الدين) ودعوته الملحة إلى حصره في العلاقة بين العبد وربه ، حيث يعود للحديث عن الكنيسة وأن دورها السياسي أصيل وفاعل منذ وجدت السياسة ، ويقول : (إذا تحدثنا عن السياسة كفن محاولة العمل من أجل الوطن ، فالكنيسة موجودة في إطارها منذ وجدت السياسة بمعناها الحديث ، بل لعلها لعبت فيها دورا يفوق ما هو مفترض) . (36)

وأعود لأستعيد عبارات الدكتور رفعت السعيد ذاتها (هذا هو الخطر الداهم من تسييس الدين) ، وأيضا (لم لا يكون الدين للديان ، ولم لا يكون كما هو فعلا ، علاقة بين العبد وربه ؟!) .

ثم أعود لأؤكد ، من الصعب جدا تخيل صدور كل هذه التناقضات الفكرية عن شخص واحد عاقل ، أو هكذا أعتقد والله أعلم .
جمال سلطان | 15-06-2010 23:12

هوامش:


(28) رفعت السعيد ، يوميات الأهالي ، 13 ـ 4 ـ 1983

(29) ضد التأسلم ، صـ 63 .

(30) نفسه ، صـ 64 .

(31) راجع (ضد التأسلم) ، صـ 220 .

(32) راجع جريدة الأهالي ، عدد 18 ـ 3 ـ 1987 ، تحقيق ماجد عطية .

(33) ضد التأسلم ، صـ 44 .

(34) نفسه ، صـ 43 .

(35) ضد التأسلم ، صـ 43 .

(36) نفسه ، صـ 38 .
اقرأ المزيد

الالتباس السياسي

مرسلة بواسطة احمد المصري | التسميات: | في الساعة 4:28 م



اعتادت النخبة العلمانية على صياغة خطاب سياسي يخفي علمانيتها، إلا عددا قليلا منها. فالنخبة العلمانية تدرك أن العلمانية تمثل عنوانا يواجه برفض شعبي، خاصة وأنها تعني تنحية الدين عن المجال السياسي، وتنحية المرجعية الدينية من الدستور. وغالب النخبة العلمانية يرفض المادة الثانية من الدستور التي تحدد الدين الرسمي للدولة، وتقر بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع. ورغم أن هناك مجموعات من النخبة العلمانية وبعض النخب القبطية العلمانية أو الطائفية، بدأت تهاجم المادة الثانية من الدستور، إلا أن النخب العلمانية في مجملها لا تقدم نفسها للجماهير بصفتها العلمانية التي تفصل بين الدين والمجال العام، والدين والدولة، والدين والسياسة.

والنخبة العلمانية إذ تفعل ذلك، تحاول تجنب الرفض الشعبي، لذا تصوغ خطابها بصورة ملتبسة، وتتكلم عن الحركة الوطنية والدولة الوطنية، وتتكلم عن الدولة المدنية الحديثة، وتستخدم العديد من المصطلحات البديلة، حتى لا تستخدم مصطلح العلمانية. ومصطلح العلمانية نفسه ملتبس، فهو يوحي بأنه مشتق من العلم، والصحيح أنه مشتق من العالم، والترجمة الدقيقة له هي الدنيوية، وتعني النظام السياسي القائم على العقل البشري الدنيوي، دون تدخل من الدين أو قيمه أو أحكامه أو مبادئه. ولكن معنى العلمانية تكشف مع الوقت، وأصبح واضحا أن العلمانية هي مذهب لتنحية دور الدين من المجال العام، وعدم الأخذ بالدين وأحكامه كمرجعية أعلى من الدستور والقوانين. والعلمانية بذلك هي المذهب الوضعي، الذي يعتبر العقل البشري قادر على معرفة الحق بدون مصدر إلهي. لذا أتضح للنخب العلمانية، خاصة بعد مرحلة الصحوة الدينية، أن مشروعها سيلقى رفضا شعبيا، لذا تم تحويله إلى صياغات ملتبسة.

ولكن هذا المنهج لا يجدي في الواقع، فلا يمكن تقديم رؤية سياسية للجماهير، دون أن تدرك الجماهير فحواها. فإذا التبس الأمر على الجماهير لفترة ما، فإنه لن يظل كذلك، وسوف تدرك الجماهير أن ما يقدم لها يغلف بغطاء غير حقيقي، ومن ثم سوف تعتبر الجماهير النخب العلمانية، نخب فاقدة للمصداقية، لأنها تمارس الالتباس في خطابها السياسي، ولا تريد الكشف عن حقيقة مشروعها. وحتى النخب التي تظهر علمانيتها واضحة، لا تعرف الناس بما تعنيه تلك العلمانية الليبرالية أو اليسارية على أرض الواقع، وما سوف تؤدي له من تغيير في التشريعات وفي النظام الاجتماعي، بما يحد من دور الدين في النظام السياسي والاجتماعي، ويجعل الدين شأنا فرديا. فالعلمانية ترفض أن يكون الدين شأنا جماعيا، ومنظما لحركة الناس الجماعية، لأن كل حركة جماعية تصب في المجال العام في نهاية الأمر. فنحن بصدد درجات مختلفة من الالتباس المقصود، تخفي في النهاية جانب مهم من المشروع الليبرالي العلماني والمشروع اليساري العلماني.

ويظهر هنا مأزق النخب العلمانية، لأنها إذا أرادت توسيع قاعدتها الشعبية، فعليها أن تعلن رؤيتها واضحة للجماهير، وإلا لن تحصل على تأييد جماهيري مستمر، لرؤية ملتبسة وغير واضحة. وفي نفس الوقت، فإن مأزق النخب العلمانية يتبلور في حقيقة أن رؤيتها ليس لها شعبية، ولا يمكن لنخب تريد تشكيل تيارا واسعا، أن تقدم للناس ما ترفضه أغلبيتهم. وإذا كانت النخب العلمانية تدرك أن جزءا رئيسا من مشروعها الفكري مرفوض من أغلبية الناس، فعليها إما أن تحاول إقناع الناس بما ترى، وبمكاشفة ووضوح، أو أن تجري تعديلا في رؤيتها، حتى تتفق مع الفكر السائد بين الناس. والواضح أن النخب العلمانية عبر تاريخها الطويل، لم تحاول إعادة إنتاج رؤيتها الليبرالية أو اليسارية، من داخل الإطار الحضاري السائد في المجتمع، بحيث تقدم رؤية تتسق أكثر مع الشخصية الحضارية للمجتمع. وظلت النخب العلمانية ترى أن رؤيتها صواب، وعلى المجتمع تغيير رؤيته، بل وتغيير الموروث الحضاري. ويحق للنخب العلمانية بكل تياراتها أن تقدم الرؤية التي تؤمن بها، ولكن ليس من حقها أن تقدم خطابا يخدع الجماهير ويخفي جزءا من رؤيتها، لأنه في النهاية لن يفيدها، بل سوف يفقدها أي مصداقية.

والغريب أن النخب العلمانية أصبحت تتكلم عن الحركة الإسلامية وتحاول تشويه صورتها، أكثر مما تتكلم عن رؤيتها العلمانية. فقد أصبح هدف بعض النخب العلمانية وصف الحركات الإسلامية بالتطرف، وكأنها هي التي تمثل الاعتدال، ووصف تلك الحركات بالتشدد والرجعية، وكأنها هي التي تمثل الوسطية والتجديد، بل ووصل الأمر ببعض النخب العلمانية أن تتهم الحركات الإسلامية بأنها لا تفهم صحيح الدين، وهي بهذا تكفر الحركات الإسلامية ضمنا، وكأنها هي التي تفهم صحيح الدين. وهكذا أصبحت بعض النخب العلمانية تمارس عملية تشويه الحركة الإسلامية، بدلا من توضيح رؤيتها، على أساس أن تشويه الحركة الإسلامية سوف يكون في صالحها.

والأغرب من ذلك، أن بعض النخب العلمانية تمارس ضغطا على الحركات الإسلامية لتقبل ببعض مقولاتها الملتبسة، حتى تدخل في خطابها بعدا علمانيا تدريجيا، وكأنها بذلك تريد من الحركات الإسلامية أن تحمل خطابا ملتبسا، وتعادي الفكر السائد لدى الجماهير، وتخرج من مشروعها، ويصبح الجميع في سلة واحدة. وتلك محاولة تمارس تحت الضغط السياسي المدعوم من السلطة الحاكمة أحيانا، والمدعوم من الغرب أحيانا، والمدعوم من قوة وسائل الإعلام التي تسيطر عليها النخب العلمانية، والتي تتيح لها شن حملات لتشويه الحركة الإسلامية. ولكن التيارات الرئيسية للحركة الإسلامية، والتي تمارس العمل السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين، والتي لا تمارس العمل السياسي المباشر مثل التيار السلفي، تدرك مشروعها جيدا، وتعرف أهم مبادئه وأسسه، كما أنها تحمل مشروعا مدعوم جماهيريا، وتعتبر أن مصدر شرعيتها الواقعية يأتي من الدعم والتأييد الجماهيري، وليس من النخب أو السلطة أو الغرب.
د. رفيق حبيب | 15-06-2010 23:16
اقرأ المزيد

وثن سوق العمل.. يسفه أحلامنا

مرسلة بواسطة احمد المصري | التسميات: | في الساعة 4:06 ص



اقرأ المزيد

أعراض المحنة (2)

مرسلة بواسطة احمد المصري | التسميات: | في الاثنين، 14 يونيو 2010 الساعة 8:30 م




على أن الدكتور رفعت السعيد يؤكد في كتابه هذا على أن الماركسية ستظل رايته وراية كل المناضلين من أجل الحرية والتقدم والغد الأفضل ، ويعلن بشاعرية رائعة إيمانه المطلق بالماركسية وبحقائقها التي وصفها بالعلمية ، وبكل شيء في النظرية الماركسية ، بل إنّه يحذر من التخلي عن أي جزء من الماركسية ، لأنها (بناء متكامل وأجزاء متعاضدة يفضي بعضها إلى بعض ، وأن خطأ التجربة لا يقدح في سلامة النظرية ويقينيتها) .

يقول الدكتور رفعت : (إن النظرية هي شيء يقيني ، لأنها مقولات مستندة إلى قوانين عامة تمت البرهنة على صحتها) .

ويضيف : (ستبقى النظرية الماركسية بقوانينها العامة هي طوق النجاة) . (16)

بل إن الدكتور رفعت ـ ربما بتأثير المحنة والمرارة ـ يتحدث بتطرف شديد عن الماركسية ، وضرورة الاستمساك بها بحذافيرها ، يقول : (فالماركسية في اعتقادنا نظرية متكاملة الأركان ، وهي تستند وتلتقي عند محاور يكمل بعضها بعضا ، ويفضي بعضها إلى بعض ، وانتزاع محور من هذه المحاور يؤدي إلى اختفاء الرؤية المتكاملة ، أي إلى انتفاء الطابع العلمي للفكرة ، ومن ثم ؛ تصبح هذه الماركسية في واقع الأمر لا ماركسية) . (17)

إن عباراته متشنجة للغاية ، وتعبر عن إيمان مطلق وشامل وعميق بالماركسية كاملة ، وبعد أن يصف الماركسية بأنها منهج لتفسير وفهم العالم والكون والطبيعة والتاريخ والفكر الإنساني وتطوره ، يعود ليؤكد مقولاته الإيمانية القاطعة والحادة يقول : (فالعلم الماركسي لا يعرف الاجتزاء ولا الانتقالية ، وإذا كانت نصف إجابة في بعض العلوم تعطي صاحبها نصف الدرجة النهائية ، فنصف الإجابة في العلم الماركسي تعطي صاحبها صفرا ، لأنها تعبير ـ وبإيجاز شديد ـ غير ماركسي) . (18)

وهكذا ، فالماركسية علم مطلق الصدق ، وحقائق ثبتت صحتها ، والإيمان بها كل لا يتجزأ ، كما أن الماركسية الشاملة الكاملة هي ـ عند رفعت السعيد ـ طوق النجاة وطريق المستقبل .

والحقيقة أن كل هذه المعاني الإيمانية التي يعلنها الدكتور رفعت السعيد (المفكر الماركسي) بحسم وقوة ، تجعلنا في حالة اندهاش كامل عندما نراه ، في حالة (الدروشة الدينية) التي يقدم نفسه بها إلى الناس ، بوصفه مفكرا إسلاميا مستنيرا ، وأنه يتحدث عن صحيح الدين الإسلامي ، ويوزع اتهاماته على علماء الإسلام ومفكريه شرقا وغربا ، واصفا إياهم بأنهم (خارجون على صحيح الدين الإسلامي) و (لا يفهمون حقائق صحيح الدين) ، وغير ذلك من عباراته الشهيرة التي يعلنها كثيرا في الآونة الأخيرة ، بل ويقدم اجتهادات دينية مؤسسة على نصوص القرآن والسنة تؤسس لصحيح الدين عنده .

وكذلك مداهنته الغريبة للرأي العام بحديثه عن (الدين الذي هو التعاليم السماوية مطلقة الصحة) (19) ، وحديثه عن (الشريعة كلية الصحة) (20) ، وتأسيسه على أسباب النزول ، والوحي الإلهي ، و(رأي السماء) ، ونحو ذلك من أعاجيب وتناقضات لا يحتملها منطق ولا عقل ، لا في الماركسية ولا في الإسلام ، إذ كيف تؤمن ببطلان حقيقة وجود الله ، وتتحدث عن ذلك بوصفه علما يقينيا ثبتت صحته ، ثم تتحدث عن نفس الوقت عن الوحي الإلهي والنبي الذي يأتيه الملائكة بخبر السماء ؟! هل هذا معقول ؟!

إن الدكتور رفعت قال ما نصه : (إن النظرية الماركسية هي شيء يقيني لأنها مقولات مستندة إلى قوانين عامة تمت البرهنة على صحتها) . (21)

والدكتور رفعت يعرف قبلي أن أهم هذه القوانين وأعلاها هو القانون الذي نصه ، وفق تعبير المعجم الفلسفي للمفكر الماركسي ، مراد وهبة : (إن المادة مستكفية بنفسها مستغنية عن خالق يوجدها) ، فكيف يستقيم إيمانك المطلق والحاد والنهائي بهذه النظرية مع إيمانك بأن الله هو الخالق البارئ الموجد للمادة من العدم ؟!

وأشير ـ هنا ـ إلى أنني لا أنظر لموقف الدكتور من منظور ديني ، فهذا موكول إلى ضميره ولا أملك الاطلاع عليه ، وإنما أنا أتحدث من زاوية المنطق والعقل ، ومن زاوية الأخلاق كذلك ، إذ كيف تؤمن بأن الله حق والوحي حق والملائكة والنبيين واليوم الآخر .. إلى آخره .

في نفس الوقت الذي تؤمن فيه بالأصل الماركسي الأصيل والركن الركين (المادية الجدلية) وناتجه الحتمي ـ وفق ما سجلته الموسوعة الفلسفية الماركسية السوفيتية (إن أي دفاع أو تبرير لفكرة الله مهما كان جيدا ، ومهما حسنت نواياه هو تبرير للرجعية ، وحجر الزاوية في المادية الجدلية هو القول بأن العالم مادي ، ولا شيء في العالم بجانب المادة وقوانين حركتها وتغيرها ، فهو ـ هذا القول ـ عدو صارم غير متصالح لكل مفاهيم الماهيات التي تتجاوز الطبيعة ، بصرف النظر عن الأردية التي يضعها على الدين ...) .

كيف تؤمن بذلك إيمانا جازما وتسميه (نظرية يقينية وقوانين ثبتت صحتها ولا بد من الإيمان بها إيمانا كاملا وتاما غير منقوص ، وفي نفس الوقت تتحدث عن الإيمان بالله والشريعة السماوية مطلقة الصحة ، ووجوب الإيمان بها إيمانا يقينيا .. إلى آخره ، هذا أمر لا يحتمله العقل ، أن تؤمن بأن الله موجود وغير موجود في آن واحد ؟!!

والواقع أن رفضنا لهذا التناقض الغريب من الجانب الأخلاقي ، يعود ـ أساسًا ـ إلى أن الدكتور رفعت السعيد نفسه ، هو الذي وصف محاولات التلاعب هذه من جانب بعض الماركسيين وسترهم حقائق الماركسية ، ومحاولة تزيينها أمام الجمهور ، وصفها بوصف سيئ للغاية ، فهو يقول : (ومن هنا فإننا نحذر من أن يتصور البعض أن الدعوة إلى تجديد الماركسية تكون بتقليم أظافرها أو تقديمها بمكياج يخفى منها بعض التقاطيع التي قد لا تعجب هذه القوى أو تلك ، أو التنكر لبعض منها بدعوى استنقاذ الجزء الآخر ، كل ذلك غير مجدي) . (22)

وقد وصف الدكتور رفعت هذا الصنيع بأنه (استرب تيز) فكري ، (الاسترب تيز هو نوع من الرقص الخليع تقوم فيه الراقصة في علب الليل بخلع ملابسها قطعة قطعة أمام الجمهور حتى تتعرى تماما في ظل حركات إباحية مثيرة ، جذبا لهياج الجمهور وشهواته) .

فلماذا يعود الدكتور رفعت ليمارس (الاسترب تيز) الفكري هو نفسه ، رغم أنه ـ باعترافه ـ انحراف فكري يمارسه الكاتب ، يشبه الانحراف الأخلاقي الذي تمارسه الراقصة في الحانات ؟!

وإذا كنت تؤمن هذا الإيمان المطلق بالماركسية وقوانينها ، كما كتبت بنفسك لرفاقك ، فلماذا تخفي ذلك أمام الجمهور في الندوات وعلى صفحات الصحف ، وتقدم نفسك في صورة الدرويش المتدين ، والمؤمن بصحيح الدين والموحد ـ والمصدق بالوحي الذي نزلت به الملائكة من السماء على رجل من قبيلة قريش يدعى محمد بن عبد الله ؟!

لماذا تتجرد من ثيابك الماركسية قطعة قطعة ثم تعود إلى رفاقك بعد ذلك لتؤكد لهم طهرك من هذه الخزعبلات ، وإيمانك المطلق بالماركسية والمادية الجدلية ، وقوانينها العلمية ، إنها مأساة أخلاقية لا يبررها أبدا الشعور بالمحنة والمرارة ، والإحساس بالضعف أمام تصاعد التيار الإسلامي واجتذابه للجماهير ، ونفاذه إلى جذر المجتمع ونجاحاته العديدة .

ومرة أخرى ، فالأمر عندي لا يتعلق بموقفك الديني ، فهذا شأنك ، ولكن الأمر يتعلق بخداع الجماهير بصورة لا أخلاقية ، وبالأسلوب الذي وصفته أنت نفسك بأنه نوع من (العهر الفكري) عندما يمارسه الكاتب .

إنني أربأ بك من أن تبقى في هذا (الموقف) ، وإن الأخلاق والمنطق يطالبانك بأن تعلن ماركسيتك أمام الجماهير بلا خوف أو خداع ولا تزييف ، وأن تخرج من عمامة صحيح الدين هذه التي لا تناسب مفكرا ماركسيا مرموقا في حجمك ووضعك !!

نعم إن الدكتور رفعت يعترف صراحة بخوفه من مواجهة الجماهير بحقيقته الفكرية ، ويقول بالحرف الواحد : (إن الدين هو المكون الأساسي لوعي الجماهير ، ولا يمكن أن يطرح إنسان أي فكر يتناقض مع الوعي الديني للجماهير) . (23)

ولكن ، هذا الخوف يليق بالشباب الماركسي الصغير السن والتجربة ، أما مفكر مثلك بتجربتك الطويلة وتاريخك الضارب في أعماق الماركسية ، فإنه لا يليق به أن يخاف من الجماهير المتدينة ، وعليه أن يتحلى بالشجاعة ـ أخلاقيا على الأقل ـ كما لا يليق بك أن تعطي تلاميذك درسا في عدم الخوف من الجماهير ، وضرورة عدم تجميل الماركسية بالمكياج الذي يخفى حقيقتها التي قد لا تعجب البعض وتعنفهم على التنكر لها بدعوى استنقاذ أجزاء أخرى منها ، ثم تمارس أنت نفسك كل هذه (الموبقات) التي حذرت منها .

إن الهلع وصل إلى حد أن ينكر ماركسيته أمام الصحفيين ، فعندما سأله أحدهم عن انتمائه الفكري قال : أنا (يساري علماني) ؟! (24) هذا عيب يا دكتور وإذا كانت الماركسية عورة وسبة ، فلماذا لا تعلن ذلك بشجاعة بدلا من هذا الالتواء ؟!

والحقيقة أن هذا الخلل الكبير ، قد أثر بشكل واضح على آراء الدكتور (رفعت) وكتاباته ، وانعكس الأمر في صورة اضطراب عجيب ومثير للشفقة ، ففي مرة يعلن إيمانه بالوحي والكتاب والسنة ووجوب احترامها والعمل وفقهما ، ثم لما سأله أحد الصحفيين عن المرجعية التي تفسر نص القرآن قال : (في تصوري أن المرجعية أولا وأخيرا للجماهير) ؟! (25)

وهذا المستوى من الحديث وضحالته وطرافته ، لا يليق به أن يصدر عن مثل الدكتور رفعت ، وإذا كان الدكتور لم يفصل ، كيف تفسر الجماهير النصوص ؟

هل يطرح النص في استفتاء شعبي لبيان مفهومه عند الشعب ؟

إلا أن الدكتور يعود في مواقف أخرى ليتقرب من جوهر موقفه الأصيل ، وإن لم يتطابق معه كليا حيث يعلن أن الوحي قد تم دفنه مع موت النبي ـ ويؤكد قائلا في حسم ووضوح :

(بعبارة واحدة أرى أنه مع انقطاع الوحي حل العقل الجمعي محل الوحي ، وعلينا أن نعتمد عليه) . (26)

هكذا ، فلا وحي ولا صحيح للدين ، ولا حتى فاسده ، فقد تم دفن الجميع بوفاة النبي وانقطاع الوحي ، وحلت الجماهير محل الوحي ، وبذلك فهي في غير حاجة لتفسيره من الأساس ؟!!

ثم كتب بعد ذلك يهنئ إحدى دور النشر لأنها نشرت كتابا عن (تاريخ الإلحاد في الإسلام) . (27)

ولا شك أن هذا الاضطراب المثير في مواقف الدكتور رفعت قد أفرز لنا تناقضات هائلة في آرائه وكتاباته إلى الحد الذي يجعله يقول الشيء ثم ينقضه ، ويمجد وطنية الرجل ثم يعود ليتهمه بالعمالة ، وغير ذلك من تناقضات مذهلة ، نعرض لها بالتفصيل في الفصل القادم .

جمال سلطان | 14-06-2010 23:29

هوامش:

(16) ماركسية المستقبل ، صـ 9 ، 10 .

(17) نفسه ، صـ 105 .

(18) ماركسية المستقبل ، صـ 106 .

(19) رفعت السعيد (ضد التأسلم) ، صـ 166 ، ط : كتاب الأهالي رقم 56 يونيو 1996 ,

(20) المصدر نفسه ، صـ 216 .

(21) ماركسية المستقبل ، صـ 9 .

(22) ماركسية المستقبل ، صـ 106 .

(23) ضد التأسلم ، صـ 217 .

(24) نفسه ، صـ 147 .

(25) ضد التأسلم ، صـ 250 .

(26) نفسه ، صـ 252 .

(27) رفعت السعيد ، صفحة من تاريخ مصر ، الأهالي 6 ـ 3 ـ 1996
اقرأ المزيد

نظام مكافأة الامتحانات للمدرسين

مرسلة بواسطة احمد المصري | التسميات: | في الساعة 6:42 ص


تشهد وزارة التربية والتعليم موجة من الغليان، بعد أن استقبلت صباح أمس الأحد عشرات التظلمات والشكاوى الجماعية من المعلمين إثر إصدار الدكتور أحمد زكي بدر وزير التربية والتعليم قرارا بإحالة 200 مدرس للمحاكمة التأديبية، بسبب تغيبهم عن حضور مراقبة الثانوية العامة.
أكد المدرسون أن القانون يسمح بالاعتذار عن حضور الامتحان لكن الوزارة تعطل تنفيذه، كما أنه بنص على منحهم بدل انتقال وبدل جهد نظير القيام بأعمال المراقبة، لكن الوزارة لديها "فاقوس وخيار" أي أنها تفرق بين أبنائها.
وشكوا من أن العملية تخضع لـ "الواسطة"، قائلين إن هناك من يحصل على بدل يصل إلى 100 جنيه في اليوم الواحد، لكونه لديه "واسطة"، ومن ليس له واسطة لا يصرف سوى 9 جنيهات عن اليوم الواحد رغم أنه قد يتكلف أكثر من 50 جنيها مصروفات خاصة وانتقالات يومية.
واتهم المدرسون في شكاواهم المقدمة إلى مكتب وزير التربية والتعليم، الوزارة بأنها تفرق بين العاملين فيها في كل شيء حتى في مكافأة الامتحانات التي نص عليها القانون، فهناك أصحاب الحظوة الذين يحصلون على 11 ألف يوم في كل فصل دراسي، وهناك موظفون ومفتشون ورؤساء لجان يحصلون علي 900 يوم.
وأشاروا إلى أن مديري المديرات يحصلون على مكافآت تتراوح ما بين 600 و900 يوم، أما مديرو الإدارات الذين لا يشاركون في مراقبة الامتحانات فيحصلون علي مكافأة تتراوح ما بين 300 و600 يوم، أما المدرسون "المقهورون فلا يحصلون إلا على 200 يوم يصرفون أضعافها على الانتقالات والسفر والمراقبة على الامتحانات.
وطالب المدرسون في شكواهم بضرورة تراجع وزير التربية والتعليم عن قراره الأخير الذي تناقله المدرسون مؤخرا والذي نص على إلغاء بدل الانتقال والسفر والجهد للمدرسين في أعمال الثانوية العامة والاكتفاء بصرف مكافأة الامتحانات فقط وقصرها على 300 يوم لجميع المدرسين.
وعزا المدرسون السبب وراء تغيب المكلفين بالمراقبة إلى ما تردد حول هذا القرار وأنهم لن يحصلوا على بدل الانتقال، خاصة وأن هناك عددا كبيرا من المدرسين لم يصرفوا البدل بالفعل من العام الماضي وحتى الآن.
وكان عدد من المدرسين التقوا أمس مسئولاً بارزًا بوزارة التربية والتعليم، وقدموا له عددًا من الشكاوى والالتماسات، وخلال اللقاء حاول المسئول التهدئة من ثورتهم العارمة تجاه قرارات الوزير، وقال لهم بالنص: "اصبروا الغربال الجديد ليه شده والوزير لسه فرحان بالوزارة وخليه ياخد يومينه".
يشار إلى أن قانون التعليم والقرار الوزاري رقم 150 لسنة 2005 ينص على أن يحصل العاملون في التربية والتعليم علي مكافأة امتحانات قدرها 200 يوم بنسبة 5% من أساسي الراتب للمدرس عن اليوم الواحد، بشرط أن يعمل 6 أشهر من العام الدراسي، ويتراوح راتب المدرس الأساسي من 450 جنيها إلى 600 جنيه للمدرس علي الدرجة الأولى، والذي يزيد راتبه الأساسي سنوياً 25 جنيها بعد إضافة العلاوة الدورية والثابتة.
أما المدرس على الدرجة الثانية فيتراوح راتبه الأساسي من 250 جنيها إلي 400 جنيه، ويزيد راتبه الأساسي 20 جنيها سنويًا، فيما يتراوح راتب المدرس على الدرجة الثالثة فيها ما بين 180 جنيها و300 جنيه ويزيد 15 جنيهًا سنويا، إلا أن هذا القانون لا ينطبق علي موظفي ديوان الوزارة الذين يحصلون على مكافآت مضاعفة بالإضافة إلى 400 يوم منحة من الوزير.
ومن أبرز الإدارات التي تحصل على مكافآت بالمخالفة للقانون، الإدارة العامة للامتحانات، وإدارة النقل، وإدارة الأمن وبالإضافة إلى 14 إدارة تصرف بالإضافة إلى مكافأة الامتحانات القانونية وهي 200 يوم مكافأة أخرى من الوزير وتقدر بنحو 200 يوم منحة من الوزير منها إدارة التعليم الأساسي، وإدارة شئون العاملين.
أما العاملون في المطبعة السرية المختصة بطباعة الامتحانات فيحصلون على مكافآت كبيرة جدا حيث تصل قيمة مكافأة الامتحانات إلى ما يزيد علي الألف يوم، بينما تقدر المكافأة التي يحصل عليها رئيس الكنترول فتصل في الكنترولات الرئيسية إلى نحو 1200 يوم بما لا يقل عن 60 ألف جنيه سنويًا.


اقرأ المزيد

أعراض المحنة

مرسلة بواسطة احمد المصري | التسميات: | في الساعة 6:27 ص

كان السقوط مدويا ، وأسرع مما يتصور الإنسان ، حتى ألد أعداء الماركسية ، وكان الذهول هو رد فعل الحركات الماركسية في مختلف أنحاء العالم ، وهي ترى الجماهير ترجم كافة الرموز (المقدسة) في الاتحاد السوفيتي وألمانيا الشرقية وغيرهما .

وكانت (المحنة) ـ كما يعبر عنها الدكتور رفعت السعيد ـ هي الوصف الأكثر مناسبة لهذا الانهيار ، ولكنها كانت محنة مريرة ، وأمرّ منها أن يعيد (المناضلون) نظرتهم إلى سنوات مضت من زهرة شبابهم فيرونها سرابا ووهما وفضاء ، وكانت المرارة علقما في الحلوق ، أن يكون آخر كتاب ألفه المفكر الماركسي الكبير الدكتور (فؤاد موسى) هو (الرأسمالية تجدد نفسها) !!

وأصبحت العبارة المقدسة لكارل ماركس (الرأسمالية تحفر قبرها بيدها) مجرد كلام فارغ يدعو إلى السخرية والإشفاق ، كما يقول الدكتور رفعت السعيد . (1)

وبنفس الازدراء يعلق المفكر الماركسي المحبط (رفعت السعيد) على كتاب (لينين) الذي حمل عنوان (الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية) ، ويصفه بأنه ـ ببساطة شديدة ـ خطأ محض . (2)

إذن لقد انهار كل شيء ، وأصبحت المرارة والإحباط هما الهواء الذي يستنشقه الماركسيون في مصر ، وفي تعبير بليغ عن هذه المحنة يقول مُنظر الماركسية المصرية الجديدة ، الدكتور رفعت السعيد : (الحماس والإلهام تلاشيا ، ليحل محلهما تساؤلات بلا إجابة ، وإحباط بلا حدود) . (3)



........

في محاولة منه لإنقاذ الحركة الماركسية في مصر من وهدة الإحباط والتفتت والتلاشي ، أصدر الدكتور رفعت السعيد كتابا بالغ الأهمية ، وقد وزع الكتاب على نطاق ضيق ، نظرا لحساسية ما ورد فيه والخطورة البالغة للحقائق التي يعلنها المؤلف لرفاقه في لحظات صدق مع النفس ومع الموقف الأليم .

وهي حقائق وصلت إلى حد الاعتراف الكامل بتلقي التمويل والرشى والمنح والهبات من الأجهزة المرتبطة بالمخابرات السوفيتية ، رغم المعرفة الكاملة بأنها أموال الفساد وسرقة عرق الشعب ومحاولة لتلويث (المناضلين) واحتوائهم وتطويعهم !!

ويحار المرء كيف يبدأ القراءة ومن أين ؟! ، فالكتاب كله عبارة عن أجواء كئيبة من الظلام والفساد والإرهاب والقمع وتدمير العقل وشله ، في الثقافة والفنون ، وفي السياسية وبنيانها ومؤسساتها ، وفي الحزب والتزوير الفاضح لانتخاباته .

إن الدكتور رفعت السعيد يلخص لنا تجربة الدولة الماركسية بقوله : (يتبقى أن الدولة هي أداة قمع لصالح طبقة ضد خصومها ، ولقد طبق هذا الشق بكفاءة أو بالدقة ببشاعة) . (4)

وبعد استعراض لكيفية ممارسة الماركسية للإرهاب ، وقمع الشعوب دون أدنى خوف من حساب شعبي ، وذلك حسب قوله : (لأن النخبة كانت تضمن أن الاتحاد السوفيتي سيتولى قمع الانتفاضات) . (5)

بعد هذا التقرير الدامغ يضيف أن (الأيديولوجية الماركسية تحولت لدى الدولة الماركسية إلى كهنوت ليس مسموحًا لأحد من الرعية اقتحام معبده المقدس ، وغاب العقل والإبداع وساد الجمود والخوف ، والديكتاتورية والفساد) . (6)

وليلاحظ القارئ قسوة الألفاظ والمصطلحات مع حجم البؤس ، ويضيف بعبارة قاطعة كحد السيف : (وعندما يصبح حزب ما بقوة الدستور وقوة القانون فوق الجميع ، فإنه لا يكون بحاجة إلى جماهير ، ولا يكون بحاجة إلى كسبها في صفه ، لأنه لا يكون بحاجة إلى الاحتكام إليها) . (7)

ويضيف مفكرنا الماركسي الكبير أن الفكر تحول إلى (ثمرة محرمة من يتناولها يتعين عليه أن يطرد من الجنة) . (8)

وعند كلمة (الجنة) نتوقف ، والحقيقة أن هذا الذي يكتبه (رفعت السعيد) يمثل ما يشبه الاعتذار المرير عن ممارساته هو نفسه للترويج لهذه (الجنة) ، وحتى نعرف حجم المأساة ، فإننا نذكر بأن الدكتور رفعت صاحب هذا الكلام هو نفسه الذي كتب قبل خمس سنوات فقط من هذا الاعتراف ، يصف الدولة الماركسية بأنها (جنة) الأرض ، بل هي أيضا : القمر المنير في السماء ؟!

فقد كتب يتحدث عن دولة الماركسية في اليمن الجنوب يقول : (القمر العربي ، النجم الاشتراكي المتألق في السماء العربية ، الصاعد إلى سماءنا على سلم العرق والدم والبناء .. إليهم أقول : عدم ليست جنتكم وحدكم ، بل هي جنة لنا جميعا نحن الاشتراكيين) . (9)

وكانت هذه الجنة ، هي التي شهدت هذا الإظلام الفكري والقمع السياسي البشع واحتكار السلطة وممارسة الكهنوت العقائدي .. إلى آخر ما حكاه رفعت السعيد نفسه ؟! كما أنها الجنة التي شهدت ذبح خمسة عشر ألف يمني في ليلة واحدة !



.......

على أن خطر وقائع (النقد الذاتي) التي وقف عليها الكتاب ، هي ما يتعلق بالفساد ، فساد الذمم وفساد النفوس ، لأن هذا الفساد ـ كما كشف المؤلف ـ قد وصل إلى ذمم الماركسيين في بلادنا .

وبداية يقرر الدكتور رفعت السعيد كيف ظهر الفساد في الحكومة السوفيتية فيقول : (سادت سياسية منح الامتيازات للصفوة الحاكمة ، وتزايدت دونما خوف من أي رقابة ، وتحولت الامتيازات إلى فساد ، واستشرى الفساد ليصبح كارثة) .

ويضيف في مرارة بالغة : (الحكام الذين كانوا يتظاهرون بالتعفف إلى حد التشبه بالمسيحيين الأول ، بينما كانوا يعيشون عيشة الأباطرة والقياصرة) . (10)

ولكن الأكثر خطورة في هذا السياق ، هو حديثه أو اعترافه بأن (القادة السوفيت كما منحوا أنفسهم ميزات احتكروها بالفساد دون شعوبهم ، فلقد وزعوا بعض هذه المنح والميزات على قيادات الأحزاب الشيوعية الأخرى في صورة : منح علاجية وفرص للراحة والاستجمام ، ومنح دراسية ...) . (11)

ويبرر الدكتور رفعت السعيد هذه الرشى الملطخة بعار الفساد ، بأنها كانت تهدف إلى (التطويع والترغيب والاحتواء) ، (12) وأضاف أن المنح الدراسية (تحولت لدى بعض الأحزاب إلى تجارة مربحة ، ولدى البعض الآخر سبيلا لمنح فرص لطلاب فاشلين دراسيا لمجرد أن آباءهم أو أقاربهم أعضاء في الحزب) . (13)

يا إلهي ، كل هذه الموبقات ، وكل هذه العمالة ، وكل هذه الخسة ، وكل هذا العار ؟!

إن قيمة هذه الحقائق المذهلة تأتي من كونها صادرة عن قيادة ماركسية ، كانت لها صلاتها الحميمة وإطلاعها المباشر على هذه المخازي ، بل إن الدكتور رفعت السعيد ، وإن تحرج أن يذكر نفسه صريحا في هذا السياق ، لاعتبارات مفهومة ، إلا أنه كان حريصا على تأكيد صلته المباشرة بهذه المأساة ، حيث يقدم لكلامه بقوله : (وفق ما نعرف) (14) ، وهي عبارة واضحة ، وتفي بالغرض وزيادة .

كما أن الدكتور رفعت يتحدث بتفصيل شديد عن رجال المخابرات الذين يعملون في (قسم العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي) وهي الجهة التي كانت تمنح هذه الرشى والهبات والنجاسات .

بل إن الدكتور رفعت يصف الموظفين وصفا دقيقا لا يعرفه إلا من تعامل معهم وجها لوجه ويدا ليد ، فيقول : (تولى أغلب المواقع فيها شبان صغار يتحولون سريعا إلى قياصرة صغار ، يبادرونك بالحديث المترفع وكأنهم يعرفون بلدك أفضل منك مائة ألف مرة ...) (15) ، تأمل دقة الوصف حتى لأسلوب المعاملة !!

والواقع أن هذا الذي ذكره الدكتور رفعت السعيد ، قامت بنشره بعض الصحف من خلال تقارير المخابرات السوفيتية التي تم تسريبها ، وقد سببت حرجا شديدا للدكتور السعيد شخصيا وللماركسية المصرية ، ولكن يبدو أن منهج المصارحة والنقد الذاتي هو الذي غلب في النهاية ، بعد طول عناد وإنكار ومكابرة .

بل إن الدكتور رفعت حرص في كتابه هذا على دعوة رفاقه إلى التخلي عن العناد والمكابرة والاعتراف بالحقائق مهما تكن مرة .

والحقيقة إنني أناشد الدكتور رفعت أن يكمل هذه المصارحة ، بإعلان أسماء الطلبة الفاشلين الذين حازوا شهادات الفساد ، وخاصة أن كثيرين من هؤلاء الفاشلين عادوا يحملون درجات دكتوراه ، ويدرسون للطلاب في الجامعات .

بل إني أطالب الدكتور رفعت نفسه بأن يتنزه عن الشهادة التي منحها له الرفاق في ألمانيا الشرقية ، ويقوم بحرقها في ميدان عام ، إعلانا للبراءة من هذا الخزي والعار ، وتأكيدا لمصداقية الاعترافات .

جمال سلطان

هوامش:



(1) رفعت السعيد (ماركسية المستقبل) صـ 13 ، ط : 1991 بدون ناشر .

(2) المصدر نفسه ، صـ 14 .

(3) ماركسية المستقبل ، صـ 97 .

(4) نفسه ، صـ 36 .

(5) ماركسية المستقبل ، صـ 17 .

(6) نفسه ، صـ 53 ، 54 .

(7) نفسه ، صـ 55 .

(8) نفسه ، صـ 73 .

(9) رفعت السعيد ، يوميات الأهالي ، بتاريخ 10 ـ 7 ـ 1985

(10) ماركسية المستقبل ، صـ 18 .

(11) نفسه ، صـ 75 .

(12) نفسه ، صـ 75 .

(13) نفسه ، صـ 76 .

(14) ماركسية المستقبل ، صـ 76 .

(15) نفسه ، صـ 76 .
اقرأ المزيد

التحقيقات تكشف عن اختفاء 56 مليون يورو من المنح الأجنبية المخصصة لتطوير التعليم في مصر

مرسلة بواسطة احمد المصري | التسميات: | في الاثنين، 7 يونيو 2010 الساعة 5:02 ص

كشف لجنة التحقيق التي شكلها الدكتور أحمد زكي بدر وزير التربية والتعليم لحصر الأموال المهدرة في قطاع وحدة التخطيط الاستراتيجي بالوزارة عن اختفاء 56 مليون يورو- أي ما يعادل 448 مليون جنيه مصري- من أموال المنح الأجنبية التي كانت مخصصة لخطة تطوير التعليم في مصر، دون أن تعثر على أي مستندات رسمية تكشف بالأرقام عن أوجه إنفاق هذه الأموال.
وكانت هذه الوحدة تخضع لإشراف مباشر من الدكتور حسن البيلاوى مستشار الوزير السابق الدكتور يسري الجمل، والمشرف على مشروع الثانوية الجديد، والذي فر إلى خارج البلاد متوجها إلي فرنسا بعد إبلاغه بقرار وزير التربية والتعليم بإحالة ملف المنح الأجنبية إلى النيابة العامة.
والبيلاوى الذي كان يشغل منصب مستشار الوزير لشئون التخطيط الإستراتيجي واعتماد الجودة بوزارة التربية والتعليم هو زوج الدكتورة صفاء عبد العزيز التي تشغل منصب نائب رئيس الهيئة القومية لجودة التعليم والاعتماد التابعة لمجلس الوزراء.
وتقدم البيلاوى- الذي كان المشرف العام علي ملف المعونة الأجنبية بوزارة التربية والتعليم وكان حلقة الوصل بين الوزارة والهيئات المانحة- باستقالته في ظروف غامضة بعد ثلاثة أسابيع فقط من تعيين الدكتور أحمد زكي بدر وزيرا للتربية والتعليم.
وجاء ذلك في إطار موجة استقالات شهدتها الوزارة بدأت باستقالة الدكتور أحمد فهمي، مستشار الوزير لشئون المعلومات، والصديق المقرب للجمل وزميله بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، تلتها استقالة الدكتور عادل عبد الغفار، المستشار الإعلامي للوزير الذي تعاقد معه الجمل لتسويق مشروع الثانوية العامة الجديد.
وفي الأسبوع الثالث من تولي بدر شئون الوزارة، تقدم اللواء سمير يوسف مستشار الوزير لتحسين الطفولة والمشرف علي مشروعات هيئة المعونة الأمريكية بالوزارة باستقالته التي أثارت الرأي العام بعد أن فجرت حجم الأموال المهدرة من المنح الأجنبية المخصصة لبناء المدارس في مصر.
كما شهدت الوزارة سلسلة استقالات جماعية بدأت باستقالة خالد سعد مستشار الوزير لشئون الإعلام ومعه 6 من المسئولين بالمركز الإعلامي بالوزارة وجميعهم كانوا منتدبين من التلفزيون المصري.
تلتها استقالة الدكتور يسرى عفيفي مدير مركز تطوير المناهج بالوزارة، بالإضافة إلى 38 من مستشاري المركز من العاملين ضمن برنامج تطوير التعليم بالوزارة، وذلك على خلفية إهدار 200 مليون جنيه في برنامج تطوير الكتب بالمدارس.
اقرأ المزيد