الرد على مقالة الاحتساب السياسي

مرسلة بواسطة احمد المصري | التسميات: | في الأحد، 11 أبريل 2010 الساعة 3:08 م

إلى الأستاذ تركي عبدالحي


أشكره على هذه المقالة

وكاتب هذه المقالة يتميز بقدرة كتابية جيدة ..

وأنا أؤيد الكاتب في ضرورة التفات الدعاة والعلماء إلى مظالم الناس ..
وهي محاولة جيدة منه ويدل على قدرته على التفكير من خارج الصندوق..

لكن يخيل لي أن الكاتب لم يكن داخل الصندوق مطلقاً..

إما لحداثة سنة..

أو لحداثة استقامته..



وهناك أمور كثيرة يحتاج أن يفهمها..

ويعذرني على أسلوب الكتابة لأني سأستخدم نفس أسلوبه ..

حيث لمست في كلماته شيء من الإستعلاء والتهجم والثقة المفرطة..

وأنا كما يقال بآخذ راحتي .. وخاصة أنه لم يذكر اسمه الصريح .. وليعذرني ..فأنا أحكم على المقال لا على الشخص ..

ومن وجهة نظري أن هناك مغالطات في المقال,,

وسألخص نقاشي في نقاط :

1- عندما يذكر الكاتب أن الاهتمام بالفساد المالي والمظالم والسياسة أهم من الاهتمام بالفساد الديني والأخلاقي فهذا مغالطة وحتى لا أدخل في نقاش طويل .. عن أيهما أهم .. فليته جعلهما على الأقل في منزلة واحدة حتى نستطيع التفاهم ، والله سبحانه يقول {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس }

وإذا تفشى الزنا في قوم انتشرت فيهم الأمراض .. فإذا بذلت الجهود والأموال ضخمة للإصلاح الصحي فابذل مثلها إن لم يكن ضعفها لقطع مسببات تلك الأمراض ..

ولعل الكاتب لا يخالفني أن أهم أسباب انتشار السرقة والظلم هو ضعف الوازع الديني في الناس .. فعندما نهتم في غرس القيم الدينية والأخلاقية فلن نحتاج كثرة المحاكم والسجون .. والمحامين ..والسياسيين..

2 - عندما يعمم الكاتب بأن العلماء والدعاة لم يهتموا بالإصلاح السياسي .. فأنا أعجب أين يعيش الكاتب .. فلم ينفض بعض الدعاة وطلاب العلم غبار السجن إلا بالأمس بسبب محاولتهم للإصلاح السياسي .. وهوباجتهاد منهم رغم أن الشيخ ابن باز رحمه الله خالفهم في ذلك .. وعاتبهم علي الأسلوب الذي استخدموه في الإحتساب السياسي .. وأنا هنا لست في معرض إثبات خطأ أسلوبهم .. ولكن أردت إثبات مغالطة الكاتب في مقالته ..

3 - لقد تحدث الكاتب عن بعض علماء السلف ومحاولتهم للإصلاح السياسي وهم لا يتجاوزن عدد أصابع اليد الواحدة .. وأستطيع أن أذكر له هنا الآلاف من السلف لم يذكر عنهم شيء من الاحتساب السياسي .. هل لأنهم على خطأ .. كل ما في الأمر أن هناك من أتيحت له الفرصة للاحتساب السياسي ( وهم قلة ) فليفعل، ومن لم يتح له فرصة الاحتساب السياسي ( وهم كثر ) فليجتهدو في إصلاح دين الناس وأخلاقهم وعقائدهم ..

4- يا أخي الكريم أنت بكلامك هذا كأنك تقول إن لم تستطيعوا الإصلاح السياسي فلا تضيعوا أوقاتكم في حلقات التحفيظ ونشر العقيدة بين الناس .. وأنا أقول لو فعل علماءنا هذا في السابق لما عرفت آداب الوضوء وحكم الصلاة.. بل ولا حتى معرفة ربك .. وأنت تعلم ماذا كان عليه أهل الجزيرة من شركيات يتذكرها آباءنا ..وأنا لا أستبعد أن الفضل الكبير في قدرتك على الكتابة والكلام هو انشغالك لفترة من الزمن في حفظ القرآن وجلوسك إلى حلق العلم وقراءتك لحلية طالب العلم .. ولكن يبدو أنك كنت غير منضبط في الحلقة بحضور دروس السيرة التي استفدنا منها كثيراً في كيفية فهم الواقع الذي نعيشه ..

ثم أنه ليس مطلوب من كل علماءنا أن ينشغلوا بالسياسة ..

هذا فيما يتعلق بالعلماء ..فإن كان هذا صعب المنال في شأن كبار العلماء .. فكيف بصغار طلاب التحفيظ؟ ..

ولست أدري ماذا تريد ؟.. هل تريدني أن آتي لطالب صغير لا يفهم مبادئ دينه؟ .. وأعطيه مذكرة الإصلاح .. هل تريد مني أن أوزع كتاب الطوفان على رجل لم يفهم أبجديات الإسلام ؟ ..

إن هذا الكلام الذي تقوله تسبب في انحراف فكري لبعض صغار شبابنا ففجروا وكفروا ..بسبب حداثة أسنانهم ..وعدم فهمهم لمعنى الإصلاح السياسي ..

ثم أني لست أدري هل تظن أن الإصلاح السياسي لن يكون إلا بقراءة سلفيات الحامد، وحرية الأحمري، فهل حفظ القرآن وفهم تفسيره لا يعطينا هذا الفهم ؟ ..وهل الإنشغال بأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكسبنا فهم لواقعنا؟ ..

في ظني أن انشغالي في تصفح سيرة محمد صلى الله عليه وسلم ستكسبني فهماً وخبرة أعظم من قراءتي لسيرة علي عزت.

5- مصطلح الاحتساب السياسي .. مصطلح عائم .. فتمنيت أن يذكر لنا الكاتب في مقدمته ما معنى الإصلاح السياسي ..حتى لا نضطر إلى الإكثار في كلام ليس بالمهم ..

فإن كان يقصد بالإصلاح السياسي هو منع المظالم .. والفساد المالي .. والرشوة.. محاربة الربا الذي يجعل المال دولة بين قلة من الناس ..

فأنا أتعجب من هذه المغالطة ..من هم الذي حاربوا الرشاوي؟ .. أليسوا علماء الصحوة و خطباء المنابر؟ .. .. ومن الذي يحارب بالليل والنهار ..السرقة والغش والظلم والفقر.. اليسوا هم الدعاة والمصلحون وخطباء المنابر .. والجمعيات الخيرية ..

وأيضاً ألم يسعَ علماءنا ودعاتنا إلى ملاحقة مانعي الزكاة .. التي هي حق للفقراء والضعفاء ؟.. ألم يسع علماءنا ودعاتنا إلى رفع المظالم عن المرأة التي كانت تحرم من الميراث ويؤكل حقها ؟



ثم يا أخي الكريم لماذا تحصر الظلم في مفهوم ضيق؟ ألا تجد أن أظلم الظلم الذي وقع على أمتنا هو الشرك؟ .. ولكن بفضل الله ثم بفضل العلماء والدعاة وشباب الصحوة استطاعوا أن يحرروا الناس منها..

ولنا في بعض البلدان المجاورة عظة وعبرة ، عندما التفت بعض الإسلاميين هناك للإصلاح السياسي بالكلية وأهملوا العناية بعقائد الناس.. نجد أنهم فيما بعد قد اصطدموا بواقع الناس الذين لم يقفوا معهم .. بل وقفوا مع الحكام الذين ظلوا يباركون عبادة القبور وعبادة الحجر والشجر ..

لماذا ؟ لأن أولئك الحكام يفهمون أن من كان عبداً لميت سيسهل على الحي تعبيده ..



- أما إن كان قصد الكاتب بالإصلاح السياسي هو القرب من الحكام وتغيير واقع الناس من خلال نصح الحكام .. وهذا يبدو كلاماً جميلاً .. وأظن أن هذا واقع وموجود .. وليس من الشرط أخي الكريم أن يطلعك ويستشيرك العلماء على كل ما يحصل بينهم وبين الحكام ..وخاصة أنهم يرون أنه ليس من المناسب أن يكون حديثهم مع الحكام على صفحات الجرائد.. وأنا أؤيدك أننا ننتظر منهم أكثر .. لكن الأدب مع الحاكم والعالم مطلوب ..

6- أخي الكريم أنا أعتقد أن سبب حماسك لموضوع الاحتساب السياسي هو اعتقادك أن أسرع طريقة لإصلاح واقع الناس الديني والأخلاقي والإقتصادي هو صلاح الحكام .. وهذا ليس اكتشاف جديد اكتشفته بفطنتك .. فقد حفظنا في حلقات التحفيظ التي تسخر بها ..حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن) وقرأنا في سيرة أحمد بن حنبل مقولته الشهيرة ( لو كان لي دعوة مستجابة لجعلتها في صلاح الحاكم ).. لكن يبدو أنك فعلاً لم تكن منتظماً في حضورك للحلقات ..كما أنه قد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم كيف نتعامل مع الحكام ..وهناك كتب كثيرة في أحكام الراعي والرعية ..

وإن لم تقتنع بتلك الكتب فإني أدعوك لتصفح التاريخ .. لتأخذ العبرة منه ..قبل أن تنشر أي قناعة ..

- أخي الكريم يبقى أن ما تقوله يبقى وجهة نظر ومجرد تنظير .. ويحق لك أن تبديها .. لكن ليس من حقك أن تنسف غيرها ..

ومن وجهة نظري أنه قد أخطأ أقوام في فهم الاحتساب السياسي !!.. فليست منازعة السلطان هي من الاحتساب السياسي ..وليس التشهير بهم على الملأ هو من الاحتساب السياسي ..ومن أراد الاحتساب فله ذلك .. ولكن ليس من حقه أن يسبب فتنة أو أن يتسبب في مفسدة أكبر ..كما أنه ليس من حقك أن تنتقد الدعاة الذين يعملون في إصلاح عقائد الناس وأخلاقهم ..

كما أن القرآن قد علمنا أنه {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } ومن وجهة نظري أن انشغالنا بما لا يفيدنا مضيعة للوقت ..

وبتأملي لواقع بعض الذين كانوا منشغلين بالسياسة منذ عشر أو عشرين سنة نجد أن بعضهم عندما اصطدم بالنتائج قد تراجع واتخذ أسلوباً آخر وهذا أفضلهم حالاً !!.. ولكن منهم من خبا صوته ألآن وتوقف عن الدعوة والإصلاح .

وفي المقابل وجدنا المنشغلين بإصلاح الناس والحلقات ومكاتب الدعوة والجمعيات الخيرية والاجتماعية قد قلبوا حال المجتمع .. ومن تأمل واقع مجتمعنا قبل عشرين أو ثلاثين سنة وما كان فيه من الجهل والبعد عند الدين وعن الصلاة .. ثم ينظر ما وصل إليه ألآن من صحوة كبيرة ..فإنه يتعجب .. ولا شك أن ذلك لم يكن من ثمرات أولئك المنشغلين بالسياسة.. بل كان من نتاج من سخرت بهم من أرباب التحفيظ ..فنحن هدفنا في الدعوة تعبيد الناس لله .. ومن المغالطة أن تنكر أن العلماء والدعاة وأرباب التحفيظ قد قاموا بهذا الدور حق قيام..

ثم يا أخي الكريم ألم تحفظ في حلقات التحفيظ قوله سبحانه ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) .. لذلك نحن نؤمن أن الإصلاح دائماً يكون من نفوسنا ..

ألا ترى يا أخي الكريم أننا عندما استطعنا أن نغرس قيم الخير في الناس .. أن ذلك كان أداة ضغط على البنوك الربوية ؟

فمن الذي جعل كثير من البنوك تتحول من الربا إلى النظام الإسلامي؟ .. هل هم المنشغلون بالسياسة؟ ..أم المنشغلون بإصلاح أنفسهم وإصلاح الناس ..

أخي الكريم يجب أن نتوازن وألا نعيش ردود أفعال..

وأنا مع إبداء الرأي.. والحوار .. والنقد .. ومراجعة الأخطاء .. لكنني أبغض الإنهزام .. وأكره عدم الإتزان.. ولا يعجبني من يتنكر لماضيه ..

7 - أخي الكريم أكثر ما أثار حفيظتي في الموضوع هو أسلوب التعميم وكلمات الاستخفاف التي استخدمتها.

فعندما تقول في ثنايا كلامك كلاماً تعميمياً عجيباً .. مثل قولك :

(ألا تلاحظون أن كل شاب وهبه الله الفطنة والمعرفة يخرج من تلك الحلقة أو المكتبة السلفية، فيلتحق بركب الثقافة والقراءة ويتعلم شيئا من حقوق المسلم السياسية والحقوقية ليتفاجأ بكمية التسطيح في ما يسمى بمنجزات الصحوة)

يا أخي الكريم من العجيب أن تستخدم كلمة (كل) يا أخي الكريم أنا من شباب الصحوة ولا أزعم أني تميزت الفطنة التي تتميز بها لكن أزعم أني مثقف وواعي ورغم ذلك لم أرى هذا التسطيح الذي تتحدث عنه.. ولست أدري ما هو ركب الثقافة والقراءة الذي التحقت به ..ليتك ترشدنا عليه لأني أنا ومعي الآلاف ممن تتهمهم بالتسطيح مثلي نحتاج أن نكتشف ما اكتشفته ..

كما أني أتعجب من هذه العبارة التي قلت فيها :

(من خلال مكتبة أو حلقة تحفيظ، يتعلم فيها الطالب الانغلاق الفكري وأبوية الشيخ وروح الاستبداد ثم يخرج من المكتبة والحلقة بعد أن يكبر، فيفاجئ أنه كان رهين صفقة سياسية، أو قل إنه كان مقيدا مستعبدا منذ صغره، لم يجد التفكير بأدوات من شأنها رفعة أمته وإصلاحها ومساعدة مظلوميها، مطلوب منه السمع والطاعة لشيخه ومن ثم للعلامة والإمام) غريبة العبارات التي تذكرها (تسطيح ..إنغلاق فكري .. تخلطون الأوليات ، برامج سقيمة ، ماهي منجزاتكم الدعوية)

لا أدري عن من تتحدث وكأنك تتحدث عن بادية في الصحراء .. في معزل عن العالم .. أوعن مجموعة حجرية لا تزال تعيش في الكهوف ..

إنني أشك أن الكاتب قد وقع في شراك مجموعة صوفية .. فيها مريدين وطلاب تستروا باسم حلقة تحفيظ .. ربما ؟

أم هي يا ترى تجربة شخصية عاشها الكاتبّ!..ربما !..لكن لا يجوز له أن يبني عليها أحكاماً ، وأن يستخف بكل شباب التحفيظ وعلماء الخير .. عموماً أنا على استعداد إلى أن أجد للكاتب حلقة تحفيظ أخرى .. لأنه بحاجة إلى إعادة تأهيل بسبب تجربة مرّة أعتقد أنها أثرت عليه ..لعلنا نستطيع تحسين صورة الحلقات في عينه ..

أم يا ترى هل الكاتب يحاول أن يجرب قلمه ليرتقي بإسلوبه .. فلم يجد مركباً إلا شباب الصحوة .. وحفاظ القرآن .. ولا عجب فهي موضة تولى كبرها كتاب الصحافة ..ولحق بركبهم بعض رواد القراءة والثقافة ..زعموا ..

اعذرني يا أخي الكريم على هذا الأسلوب لكن أرجو أن يتسع صدرك لهذا النقد ..

تعجبني جرأتك ، وتحررك من ضغط الواقع ولعل هذا من ثمرات حلقات التحفيظ الذين غرسوا فينا الجرأة والثقة في النفس ..

ولكم تمنيت أن توجّه هذه الجرأة على الذين تجرأو على ديننا .. وعلماءنا .. واستهزأوا بخطباءنا .. وسخروا بقضاءنا .. ويحاولون إفساد أخلاق شبابنا وفتياتنا ..

وختاماً .. أخي المبارك .. فكرة مقالك جيدة .. ولكنك لم توفق في المضمون وليتك اقتصرت على نقطتين ( أهمية مناصحة الحكام .. حث العلماء على تكثيف جهودهم لنصح الحكام ).. لو كنت اقتصرت على ذلك فلن أختلف معك كثيراً.. لكن أن تنسف كل الجهود .. وتشتم ماضيك.. وتشتم نفسك لأجل أن تثبت نظريتك فهذا غير موضوعي ..

و من وجهة نظري أن ما تقوله مجرد تنظير .. ليس له أثر على الواقع ..وحتى لا يضيع وقتك في خوض أي تجربة ..فإني أظن أن هناك طريقة سهلة لتكتشف مدى واقعية كلامك .. وهو أن تنظر هل لتنظيرك هذا أثر على واقعك .. فإن تسبب هذا التنظير في توقفك عن ممارسة أي نشاط دعوي فاعلم أنك مخطئ .. وإن أدى هذا التنظير إلى نسف جهود الغير فأنت مخطئ .. وما عدا ذلك فلك الحرية فيما ترى .. وحتى يأتي ذلك الوقت الذي تستطيع أن تمارس فيه الإصلاح السياسي .. فانشغل بإصلاح نفسك حتى يأتيك اليقين ..

وختاماً .. أعتذر مرة أخيرة عن هذا الأسلوب .. وخاصة أني كتبته بدون تبييض .. أو مراجعة ..

وأنا عندما أسهبت في الموضوع ليس قصدي هو الرد على الكاتب فقط ..

لكني أردت أن أبين وجهة نظر في موضوع أرى أننا في حاجة إلى التنبه إليه من الكاتب ومن هو راء الكاتب ..

وصلى الله وسلم على نبينا محمد

أبو أنس 22/ربيع الثاني 1431هـ

التعليقات :

هنالك 0 التعليقات على الرد على مقالة الاحتساب السياسي

إرسال تعليق